الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 - 04:50 مساءً , 05 ربيع الأول 1440

حديد المصريين أعلى الصفحة


 

 

   تكامل خطاب التجديد

    الاثنين 15 أكتوبر 2018 12:27 صباحاً

    رجائى عطية

 

بدا لى بتراكمات السنين، أن مخاطبة الناس بالمواقف والتصرفات والأفعال، أقوى كثيرًا وأبعد أثرًا وتأثيرًا من مخاطبتهم بالكلام. فالكلام بغير أفعال تصادقه، وسلوك يشهد به، أشبه بالحرث فى البحر، لا صدًى حقيقيًّا ولا طحن له.
 
يسهل الكلام على الكثيرين، فهو لا يقتضيهم مجهودًا ولا يلزمهم بالالتزام.. وهو أقرب لنول الإعجاب والصيت والمكانة.. والذى يعشق التشدق بالكلام خطيبًا أو واعظًا أو ناصحًا أو متحدثًا أو متخايلاً، لا يلقى بالاً لأثر كلامه الذى لم يجاوز فى مقصده إبهار السامعين ببلاغته وفصاحته!
 
يجرى ذلك بصفة عامة، ولكنه أخطر أثرًا إذا ما أصاب الجهود المبذولة لتجديد الفكر والخطاب الدينى. ولو تأملنا فيما يُبذل من كلمات، وما يجرى عليه السلوك والأعمال فى كثير من الأحيان، للاحظنا هوة واسعة تفصل بين الخطاب والفعل، وبين الدين والسلوك، ولأدركنا أن الفهم والخطاب الدينى فى حاجة شديدة للربط بين الكلمـة وبيـن الفعـل والسلوك.
 
يضاعف المشكلة، أن الفصام بين الخطاب الدينى والفعل، شائع فى عناصر وفى مستويات شتى، وظنى أنه لا جدوى فى محاولة تقويم خطاب وفعل الجانحين أمراء الإرهاب، فهم يقصدون ما يفعلون ، ويستخدمون خطابًا للتضليل وخداع الناس ، ولا يبالون به عمدًا ـ فيما يفعلون ويرتكبون. فغاية خطابهم محصورة فى هذه المخاتلة والغش والخداع.
 
بيد أن الاهتمام بربط الخطاب بالفعل والسلوك ـ واجب على المسئولين القائمين بالخطاب الدينى الصحيح ، سواء فيما يصدر عنهم، أو فيما يلقنونه للمتلقين عنهم من وجوب اقتران القول بالعمل، ليكون المسلم عنوانًا بسلوكه القويم للإسلام.
 
وقد يبدو للوهلة الأولى، أن الدعوة القولية هى وحدها التى تقبل الإعداد والتخطيط والتنظيم واتباع المناهج وتعديلها حسب ظروف الزمان والمكان ، وأن الدعوة عن طريق مخاطبة الناس بالمواقف والتصرفات والأفعال، تستعصى على فكرة الإعداد والتخطيط والتنظيم والمناهج، لأن زمام هذا النوع من الخطاب فى يد آحاد، يتوقف على سلوك كل منهم الشخصى، بيد أن هذا الظن غير صحيح ، فالسلوكيات والتصرفات والأفعال تقبل بدورها الدراسة والإعداد والتنظيم ، ولكنها تحتاج إلى مزيد من الصدق، ومزيد من شجاعة القلب وقوة التماسك والثبات .
 
ومهما سلمنا بوجود قدر فى خطاب الدعوة يجرى بالمواقف والتصرفات والأفعال، إلاَّ أن الدعوة القولية هى الطاغية، فهى أقل مشقةً وأيسر أداءً ، فلا يقتضى بذل الكلام جهداً كثيرا ولا عناءً، ولا يكلف صاحبه فى الأغلب تضحية فى أطماعه أو فى أمواله ، ولا يقتضيه تغيير فى عاداته وأسلوب حياته، فى الوقت الذى يجذب إليه الأنظار، ويحقق له السمعة، ويشهد لـه بين الناس بالعلم والفضل.
 
ويبدو أن اعتقادنا المبالغ فيه فى قوة الكلام وقدرته، نابع من كوننا قد عشنا أحقابا على الأمانى، ففقدنا ثقتنا بالمحدود المعين المقدور فى التنفيذ، وفقدنا الاستعداد النفسى لبذل الجهد . والصوفية على سواء حين يفرقون بين الرجاء باعتباره الثقة فيما عند الله التى تحدث للعامـل الناشط، وبين «الأمنية» من حيث احتمال تحقق المراد المأمول بغير اتخاذ أسبابه . ونحن بين يدى الأمنية نتخلى عن الإرادة أو ما يتصل بها من عمل ورجاء معقود بالله طى هذا العمل، ونستسلم استسلامًا تامًّا مريحًا لما ستجىء به الأيام كيفما تجىء.
 
على أن فقدان الرجاء يعطل معظم إرادة الإنسان ، فيعاف ويكره كثيرا مما يحتاج إلى جهد ومثابرة ووقت . لذلك ففقدان الرجاء معناه فقدان أهم وأشرف حافزـ يحفز إرادة الآدمى ويحركها إلى العمل والمثابرة عليه وإتقانه وتجويده . وقد تحول ذلك مع الزمن إلى داء مزمن ضمرت معه الإرادة البشرية، واستغنى الناس بالأمنية عن الرجاء، واكتفوا فى ظل الإرادة الضامرة بالانتظار، واعتادوا عليه، هاربين دائما من الرجاء الخصب إلى غرور الأمانى الجدباء!
 
وخلال ذلك وقع الخلط بين بساطة الإسلام وبين السهولة، فاعتقد البعض أن الإسلام بسيط بمعنى أنه سهل لا يتقاضى من المسلم جهدا ولا عزيمة ولا تضحيات، وأدى هذا ومهد ووطد لسيادة الكلام والفصاحة وحلولهما محل الأعمال والأفعال. لا ينبغى لعاقل أن يتصور أن الإخلاص لله تعالى أمر هين لين ، فكيف يتصور أن يكون الإسلام سهلا هينا ؟!
 
بساطة الإسلام معناها أنه قادر قدرة عجيبة على إبراز ما هو جوهرى ومفيد فى أغراضه، وعلى استبعاد كل ما يحجب الجوهر من الحواشى والتفصيلات. فبساطة الإسلام ترجع إلى أدائه لمضمونه، ومقدرته على أداء هذا المضمون أداء ناصعًا مباشرًا . وهذه البساطة نقيض تلك السهولة الكلامية البدائية التى تكتسح ما هو جوهرى وأساسى. فالإسلام بسيط من جهة حرصه الشديد على رؤية ما هو جوهرى وما هو مفيد فى الحياة، مرتسماً بقوة على سلوك المؤمن وتصرفاته فى حياته الخاصة والعامة.
 
وكما حصل الخلط بين بساطة الإسلام وبين السهولة، حصل التمييز بين المتدين والمستقيم، فلم تعد البيئات الإسلامية تعتبر التدين مرادفًا للاستقامة ملازمًا لها لا ينفـك عنها.
 
وقد نتج عن طول سيادة الكلام وانفصال الدعوة القولية عن خطاب الناس بالمواقف والتصرفات والأفعال والسلوك ـ نتج عن ذلك أن ضعفت قدرة اللغة الإسلامية عن التوصيل، وانفصلت فى الغالب عن الواقع والحقيقة!
 
إن وراء ميل معظمنا إلى الاشتغال بالأغراض الضخمة والإصلاحات الكلية، وراءها فضلا عن جاذبيتها ـ بقية من فقدان الرجاء وضمور الإرادة والهرب من ملاقاة الواقع والتعامل معه ومعاناته. ولن يستطيع أفراد المسلمين أن يصلحوا واقعهم ـ مع المحافظة على حرياتهم وحقوقهم ـ إلا إذا لاقوا هذا الواقع بأنفسهم، وأعملوا الفكر والعقل والعمل ليلاقوه بما يتفق مع الإسلام.
 
لا غناء للتجديد فى الدين عن تضافر الفكر والخطاب مع المواقف والفعل والسلوك.
 

 

أوليكس

 

التعليقات

 

 
 



إذاعة القرآن الطريم

مقالات رئيس التحرير
رمضان كريم 1

مع الرحمة

التعمير والاسكان

هل تؤيد مقترح قانون تأجير الشقق المفروشة بعقد مسبق من الشرطة؟

  نعم

  لا

  لا أهتم


نتائج

أضف  البريد الالكتروني :
 
 

 

أضف  كلمة البحث :
 
 

 
 
 

خطبة الجمعة التى أبكت المصلين فى مسجد السيدة نفسية بالقاهرة