الثلاثاء 10 ديسمبر 2019 - 05:27 صباحاً , 13 ربيع الثاني 1441

حديد المصريين


 

 

   هل طال أمد المفاوضات حول سد النهضة؟

    الأربعاء 02 أكتوبر 2019 04:31 مساءً

    د. أيمن سلامه

 

استبد القلق بجموع المصريين لطول أمد المفاوضات الثلاثية بين الدول أطراف اتفاقية إعلان المبادئ لسد النهضة الموقعة فى الخرطوم فى عام 2015، والتى دخلت حيز النفاذ بمجرد توقيعها بواسطة ممثلى الدول الثلاث.
 
إن الإطار الزمنى لعملية المفاوضات يختلف تبعا للظروف والسياقات التى تختلف من حالة لحالة، فقد تنتهى عملية المفاوضات خلال أيام وقد تستمر لعقود، كما يقدم الواقع العملى أمثلة كثيرة على مفاوضات جرت على نحو متقطع، وما المفاوضات المتقطعة بشأن تنفيذ الاتفاقية المشار إليها إلا مثالا صارخا على ذلك الطرح.
 
والتفاوض أسلوب معقد من أساليب التسوية السلمية، فهو ليس أسلوباً بسيطاً أو واضحاً فى آلياته وأشكاله، مع ذلك، فإن المدى الذى تصل إليه تعقيداته يتوقف على طبيعة القضايا محل النزاع، وطبيعة العلاقة بين الطرفين المتنازعين، ومدى توافر خيارات أخرى لدى كل منهما لحل النزاع، إضافة إلى الظروف الإقليمية والدولية المحيطة بطرفى المشكلة، وهى الظروف التى تدفع نحو ضرورة اتباع أسلوب التفاوض أو غيره لحل النزاع.
 
لقد تميزت المفاوضات عن سائر الوسائل السلمية لتسوية النزاعات الدولية بعديد المزايا التى جعلت الدول تفضل اللجوء إليها لتسوية نزاعاتها، وليس بغريب أن تحتل المفاوضات الصدارة فى ترتيب وسائل التسوية السلمية للمنازعات الدولية نظريا وعمليا فى الممارسة الدولية، وفق الترتيب الذى أوردته المادة 33 من ميثاق منظمة الأمم المتحدة، فقد اعترفت الدول ذاتها بهذه الحقيقة فى كل المناقشات التى جرت حول التسوية السلمية للمنازعات الدولية، فقد أشارت عدد معتبر من الدول صراحة إلى أن: «المفاوضات المباشرة تعد الوسيلة الأساسية لتسوية النزاعات الدولية، وأن القانون الدولى والممارسات الدولية يؤكدان ذلك».
 
لقد ازدادت أهمية المفاوضات فى الحياة الدولية المعاصرة إلى درجة أن وُصف عصرنا الحالى بعصر المفاوضات، حيث تسيطر المفاوضات على كل مجالات العلاقات الدولية، كما أن المفاوضات تساهم فى تطوير القانون الدولى ذاته، فضلا عن نفور الدول من اللجوء للوسائل التحاكمية لعوامل عديدة، أهمها طول أمد هذه الوسائل مقارنة بالمفاوضات تحديدا.
 
إن المفاوضات الدبلوماسية المباشرة تعد من أقدم وسائل تسوية النزاعات بين الدول، وكانت الدول فى العهود الغابرة تشعر بوجود التزام قانونى يفرض عليها التفاوض قبل اللجوء إلى استخدام القوة حتى ولو لم يتعد ذلك الالتزام الإطار الشكلى، واعتبر التفاوض فى القرون اللاحقة أنه يشكل أحد الشروط المسبقة الضرورية للإقرار بعدالة استخدام القوة، وحتى لو كان من الواضح أن المفاوضات لا تعدو كونها مجرد تظاهر فإن ذلك التظاهر يبقى ضروريا، إذ دونه يواجه استخدام القوة الشجب والتنديد.
 
إن الطابع المتجدد للعلاقات الدولية المتميز بكثرة التكتلات فى مختلف المجالات وتعقد العلاقات الدولية وتشابكها وتطورها فى المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية وغيرها، ساعد على ازدهار المفاوضات باعتبارها الأداة المركزية للدبلوماسية، فأضحت المفاوضات تشكل جزءا لا يتجزأ من التعاون الدولى فى مختلف المجالات.
 
ولنجاح المفاوضات فى تسوية النزاعات لابد من توافر عدة شروط، فالمفاوضات تحتاج إلى جو يسوده الهدوء والبعد عن المؤثرات الخارجية ودرجة معينة من الثقة المتبادلة وحسن النية، كما يجب أن يكون لأطراف النزاع رغبة وإرادة فى التوصل إلى اتفاق لتسوية النزاع.
 
وتعد المرونة واحدة من أهم هذه المزايا التى تتميز بها المفاوضات، فالمرونة تجعل المفاوضات قادرة على لعب دور مزدوج: وقائى يتمثل فى منع نشوب النزاع وآخر علاجى يخفف من حدة التوتر بين الأطراف المتنازعة نتيجة تضييق شقة الخلاف بين المتنازعين وتسويته.
 
وتعتبر المفاوضات أكثر وسيلة من وسائل التسوية التى أوصت بها الجمعية العامة لأطراف النزاع. وفى هذا السياق يُشار إلى القرار 40/ 9 المؤرخ 8 نوفمبر 1985، حيث وجهت فيه الجمعية العامة نداءً رسمياً إلى الدول المتنازعة لفض خلافاتها عن طريق المفاوضات والوسائل السلمية الأخرى.
 
وفى عدد من المناسبات، قام مجلس الأمن، بناء على مسؤولياته، بموجب الميثاق فى مجال تسوية المنازعات بالوسائل السلمية أو لدى ظهور أى حالة يؤدى استمرارها إلى احتمال تعرض المحافظة على السلم والأمن الدوليين للخطر، باتخاذ قرارات يطلب فيها إلى الدول الدخول فى مفاوضات.
 
وتجدر الإشارة إلى أنه يمكن أن يتم تكليف الأطراف المعنية بإجراء مفاوضات بقرار قضائى يُلزمها بذلك. وفى هذا السياق يُشار إلى قضية صيد الأسماك التى ذكرت فيها محكمة العدل الدولية ما يلى: «إن الالتزام بالتفاوض ينبثق من ذات الطبيعة الخاصة بحقوق كل طرف من الأطراف، لذا فإن تكليف الأطراف بالتفاوض يعتبر ممارسة ملائمة للوظيفة القضائية فى هذه القضية، وينسجم هذا أيضاً مع مبادئ وأحكام ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بالتسوية السلمية للمنازعات»، على النحو الذى أشارت إليه المحكمة فى قضايا الجرف القارى لبحر الشمال.
 
وقد ظلت عبارة «مفاوضات» تُستعمل للتعبير عن التعامل السلمى بين الدول حتى منتصف القرن السابع عشر حيث حلت محلها عبارة «الدبلوماسية» التى يعرِّفها البعض حتى الآن بأنها فن المفاوضات، وتُعرف الدبلوماسية على أنها إدارة العلاقات الدولية بالتفاوض.
 
وحتى ولو لم تؤدِ المفاوضات إلى حل ودى، سيبقى لها الفضل فى حصر النزاع وإثارة مختلف النقاط العالقة أو وضع النقاط على الحروف بالنسبة للخلاف القائم بين الطرفين. وفى حال عدم التوصل إلى حل حول جوهر الموضوع، فيمكن للمفاوضات أن تعالج الأمور الإجرائية لتحديد النقاط الواقعية القانونية التى يجب حسمها والطريقة الأكثر تناسباً للظروف والمعطيات.
 
وطبيعة العلاقة بين الطرفين المتنازعين، ومدى توافر خيارات أخرى لدى كل منهما لحل النزاع، إضافة إلى الظروف الإقليمية والدولية المحيطة بطرفى المشكلة، وهى الظروف التى تدفع نحو ضرورة اتباع أسلوب التفاوض أو غيره لحل النزاع.
 
وختاما، فقد آلت الدبلوماسية المصرية إلى أن تتمسك بالوسيلة المثلى لتسوية النزاعات الدولية، لحلحلة العثرات التى عطلت مسيرة تنفيذ اتفاقية إعلان المبادئ لسد النهضة، إدراكا منها للمزايا العديدة التى توفرها المفاوضات المباشرة، والتى طرحناها سالفا.
 

 

أوليكس

 

التعليقات

 

 
 



إذاعة القرآن الطريم

مقالات رئيس التحرير
رمضان كريم 1

مع الرحمة

التعمير والاسكان

هل تؤيد مقترح حرمان الزوجة الناشز من النفقة حال الطلاق؟

  نعم

  لا

  لا أهتم


نتائج

أضف  البريد الالكتروني :
 
 

 

أضف  كلمة البحث :
 
 

 
 
 

حلقة مهمة للاعلامى ملهم العيسوى عن التعديلات الدستورية