الأربعاء 02 ديسمبر 2020 - 01:52 مساءً , 17 ربيع الثاني 1442

حديد المصريين


 

 

   اكتشاف مصر والمصريين

    الأحد 08 نوفمبر 2020 05:45 مساءً

    د. عبد المنعم سعيد

 

تعودنا على الأفلام الأجنبية التى تمر بنا على تاريخنا مجسدا فى مشاهد للأهرام والمعابد والمومياوات التى تتحرك فى إطار من الرعب والفزع، ومشاهد مغامرات «إنديانا جونز»، والمكتشفين الغربيين لأسرار تاريخنا القديم. بشكلٍ ما بدا تاريخنا الفرعونى القديم جزءا من ماض سحيق، يخص الأجانب وبعثات الاستكشاف الخارجية والسائحين أكثر مما يخصنا؛ ونعرف أنه حتى القرن التاسع عشر حينما فك «شامبليون» شفرة اللغة الهيروغليفية، كانت التماثيل والمسلات القديمة تنتمى إلى خرافة عالم قديم كان فيه الكثير من «المساخيط». تقدمت معرفتنا بالطبع خلال القرنين الماضيين، ودخلت العمارة الفرعونية إلى عالمنا المعاصر، وحتى بات اسم «الفراعنة» لصيقا بفريقنا القومى لكرة القدم.
 
حاليا هناك خطوة أخرى إلى الأمام، وهذه المرة أيضا جاءت من شبكة «نتفليكس» للأفلام والمسلسلات الأجنبية والمصرية أيضا. فيلم «أسرار مقبرة سقارة» يبدو تسجيليا عن اكتشاف مقبرة «واحتى» (٢٥٠٠-٢٣٥٠ ق.م) الذى كان كاهنا للتطهير الملكى، والمفتش الملكى العام، والمشرف على القارب المقدس. هو الرجل الذى يتولى شخصيا تجهيز الملك وإرساله إلى الدار الآخرة. الفقيد كان شخصية مرموقة فى الدولة، ولذلك كان من حقه أن يترك لنا أثرا نفيسا على الهضبة التى يقف عليها هرم سقارة المدرج (٢٦٥٠ ق.م) الذى يعد أول «مبنى» متعدد الطبقات عرفه الإنسان.
 
الاكتشاف بدأ فى نوفمبر ٢٠١٨، ولكنه اكتمل فى ٢٠١٩ عندما تم العثور على جسد جدنا العظيم الذى ترك لنا مقبرة متكاملة قدم لنا فى عائلته المكونة من زوجة وأولاد وبعض الأقارب، أشكالا مختلفة من الحياة التى تجرى فيها الموسيقى مع النبيذ فى حياة رغدة. قيمة الاكتشاف وأهميته ليست موضوعنا، فلا يفتى فى أمر فرعونى ود. زاهى حواس فى المدينة، ولكن ما يهمنا هو حاضرنا الذى يبدو مع الكثير من الاكتشافات الفرعونية، والاهتمام العام بالحضارات المصرية كلها ببناء المتاحف، وتجديد مناطق حضاراتنا المختلفة، أن مصر تعيش مرحلة كبيرة من اكتشاف نفسها.
 
الفضيلة الأساسية فى الفيلم أن أبطاله هم المصريون، لم يعد الأمر متروكا فى يد البعثات الأجنبية وحدها، وإنما نحن إزاء بعثة مصرية قامت بالعمل كله قيادة وعلماء وعاملين. الجارديان البريطانية علقت بأن الأمر كان فكا للاستعمار عن اكتشاف مصر القديمة؛ وربما بطريقة غير مباشرة اكتشاف مصر الحديثة أيضا. يظهر الأمر كله فى وقتنا هذا فى الربط بين القرى المصرية فى منطقة الأهرامات، والعمل فى البحث عن الآثار والمتخصصين فى الأمر أبا عن جدود سابقة. «واحتى» يجرى اكتشافه خطوة بعد خطوة، ومدخلا بعد مدخل، وتمثالا بعد تمثال، وفى نفس الوقت نكتشف أنفسنا، العمال يعملون فى هضبة وكأنهم جراحون يعملون فى عملية جراحية، خشية مس عصب حساس بضرر. المشرفون والفنيون يترجمون ويكشفون التاريخ طبقة بعد طبقة، والعلماء يفكون الأسرار من الكلمات، والتماثيل، والمومياوات، كيف كان العيش ومن أين جاء الموت، حتى جاء البعث ساعة الاكتشاف الكبير لقصة رجل عاش قبل أربعة آلاف عام.
 
هو عصر الاكتشاف الكبير لمصر، وأرجو ألا تكون الاكتشافات المتتابعة إلا نقلا لمعرفتنا بأنفسنا كمصريين، ليس لمجرد الفخر بأجداد ذهبوا، وإنما لأن إطلالتهم علينا الآن تعنى لنا الشىء الكثير. الإطار التنموى الراهن فى مصر هو حالة من الاكتشاف الكبير ليس فقط للتاريخ المصرى وإنما للجغرافيا المصرية أيضا من سواحل المتوسط وحتى خط عرض ٢٢، ومن سواحل البحر الأحمر وخليجى السويس والعقبة حتى الحدود مع ليبيا. تجرى عملية تعمير واكتشاف للثروات المصرية والعلم المصرى وللمصريين أنفسهم وما لديهم من قدرات وإمكانيات لتحدى ظروف الطبيعة بصبر عجيب.
 
وخلال المسيرة المعاصرة فإن هناك الكثير من الأبطال، عرفنا منهم دائما أبطال القوات المسلحة، ومؤخرا ووسط جائحة الكورونا عرفنا أبطال الطب والتمريض والإسعاف؛ فيلم «نتفليكس» ينبهنا إلى نوعية أخرى من الأبطال الذين يعملون فى ظروف قاسية، ويتعاملون معها بالعلم والذكاء والحرص، وفوق ذلك كله بحكمة بالغة فى التعامل مع المصرى القديم وكأنه يعيش بيننا الآن يمشى على قدمين ويؤدى واجبه إزاء الدنيا والآخرة معا. وفى كل عام فإن مصر توزع الجوائز التقديرية والتشجيعية والرفيعة الأخرى للنيل والتفوق؛ فلماذا لا تكون هناك جوائز أخرى لهؤلاء الذين يكتشفون الاكتشافات الكبرى فى تاريخنا القديم، والمعاصر الذى يعدنا لما هو آت فى دولة عظيمة ونبيلة. أذكر أن صديقا قال لى إن المتحف المصرى الكبير من الكبر بحيث إن التحف الموجودة سوف تترك فراغات كبيرة؛ أظن أن مثل هذا لم يعد صادقا، فالاكتشافات تتوالى، ومعها قصص وخير وثروة وآمال كبيرة.
 

 

أوليكس

 

التعليقات

 

 
 



إذاعة القرآن الطريم

مقالات رئيس التحرير
رمضان كريم 1

مع الرحمة

التعمير والاسكان

هل تتوقع موجة ثانية من كورونا في مصر أشد قسوة؟

  نعم

  لا

  غير مهتم


نتائج

أضف  البريد الالكتروني :
 
 

 

أضف  كلمة البحث :
 
 

 
 
 

حلقة مهمة للاعلامى ملهم العيسوى عن التعديلات الدستورية