الجمعة 27 يناير 2023 - 10:58 صباحاً , 06 رجب 1444

جبر القللوبجج


 

 

   «الأتمتة» و«الرقمنة» و«الأنسنة» ومستقبل التعليم

    الثلاثاء 29 نوفمبر 2022 08:45 مساءً

    د. حسام بدراوي

 

أعتقد أن أهم المهارات التى يحتاجها الشباب للعمل الآن وفى المستقبل هو القدرة على العمل الجماعى، ومهارات التواصل والاتصال والمرونة والتكيف مع التغيير، يضاف إليها المهارات الرقمية واستخدام الحاسب الآلى، ومعرفة لغة ثانية بجانب اللغة العربية.
 
ويظن البعض أن هذا خارج نطاق التخصصات مثل الطب والهندسة والمحاماة والكليات العسكرية والكليات العملية كما علق واحد من الشباب، فقلت له: لا يا ابنى، هذه المهارات يحتاجها الطبيب والمهندس والمحامى والضابط والمدرس وكافة التخصصات، فلا مكان فى العمل اليوم، وقطعا فى المستقبل لمن لا يملكها.
 
قالت شابة أخرى: يقال إن عددا كبيرا من وظائف اليوم ستختفى وتظهر وظائف جديدة، مما سيُصَعِب الأمر على طالبى العمل أكثر مما هو الآن؟.
 
قلت: بلغة الأرقام، قد يكون هذا حقيقى، فهناك فعلاً وظائف ستختفى خلال الخمس سنوات المقبلة، وأغلب هذه الوظائف هى التى يغلب عليها النمط التكرارى، إلا أنه فى المقابل سوف تُخلق آلاف أكثر من الوظائف الجديدة، وهذا يعنى توسيع شريحة الوظائف المتاحة وليس نقصانها.
 
فمن لا يستطيع العمل كسائق أجرة فى السابق من الممكن أن يعمل الآن كسائق أوبر، ومهمة السائق ستتطور ليكون شبه سكرتارية متحركة، ويصبح أكثر من مجرد سائق وسيحتاج مهارات جديدة، ومن لم يستطع العمل فى خدمة العملاء فى مكان العمل أصبح بإمكانه أن يعمل بالوظيفة نفسها من منزله. بل إن أطباء اليوم عليهم العمل فى فريق، ويتوجهون إلى تخصص الرعاية الصحية الأولية التى بدونها لن ينجح نظام التأمين الصحى الجديد الذى سيخصص كل عدد من السكان لمجموعة من أطباء الرعاية الأولية الذين لابد لهم من مهارات رقمية، وتواصل، ليؤدوا وظيفة سيحتاجها المستقبل بشكل جديد.
 
بعض الوظائف ستختفى مثل وظيفة إدخال المعلومات والبيانات، لأنه بنمو الإدارة الرقمية سيتم ذلك عن طريق «الأتمتة» وجمع المعلومات عبر البيانات الضخمة.
 
إن التخصصات ستتبدل تماما كلما تغيَّرت منصات العمل، وأذكر هنا تخصصات لم نعرفها من قبل مثل مطوّرى الواقع الافتراضى ومهندسى السيارة ذات القيادة الذاتية وإخصائى الزراعة الرأسية فى المدن، ووظائف التحول الأخضر، وغيرهم مثل محللى البيانات، ومحللى نظم الكمبيوتر، وإخصائيى أمن المعلومات، وصناع ومحللى الأكواد، والتسويق الإلكترونى ومصممى البرمجيات.
 
للأسف فإن أغلب التخصصات الجديدة لا نجد لها مناهج تعليمية وبرامج تدريبية فى الجامعات، بل تقوم بإعداد الشباب لها الشركات الكبرى وليس مؤسسات التعليم التقليدى.
 
إن جوهر فن المهنة فى المحاماة والطب قد يستمر إلا أن مواصفات طبيب ومحامى المستقبل تتغير الآن وستتغير غدا بحكم إتاحة المعارف والبدائل والتغير النوعى لطالبى الخدمة والمراجعة الفورية للقرارات المهنية وإمكانية مقارنتها بالمعايير العالمية.
 
كذلك فقد أصبح التعليم والتدريب عن بعد واقعا، من دون الحاجة لشراء أراض أو استئجار مبان وإنفاق المليارات، وتظهر وستظهر الشهادات متناهية الصغر.
 
(Nano degrees) التى لا تُكلف الراغبين موارد كبيرة، ودبلومات مهنية لرفع مستوى أداء الموظفين طالما يتمتع طلابها بالمهارات اللازمة لها.
 
التعليم الفنى والتدريب المهنى يتطور ليصبح صاحب هذه المهن مكافئا فى حدود متعارف عليها فى المهارات التى نتكلم عنها ليرتقى بالمهنة ويزداد احترامه فى المجتمع بل وموارده.
 
نظر إلى شاب وقال: هناك بعض الكلمات التى أصبحت ترددها وقد لا يعرف معناها الكثيرون، فماذا تقصد مثلا بالأتمتة والرقمنة؟.
 
قلت: أنا لم أكن أعرف مصطلح «الأَتْمَتَةٌ» إلا بعد قراءتى لعدد من التقارير حول مستقبل الوظائف والعمل فى المستقبل وهو مصطلح مستحدث ومُعَرَّب يعنى التَشْغِيلٌ الآلِى ويطلق على كل شىء يعمل ذاتيًا بدون تدخل بشرى. ويمكن وصف «الأتمتة» بأنها استخدام الكمبيوتر والأجهزة المبنية على المعالجات أو المتحكمات والبرمجيات فى مختلف القطاعات الصناعية والتجارية والخدمية من أجل تأمين سير الإجراءات والأعمال بشكل آلى دقيق وسليم وبأقل خطأ ممكن. باختصار «الأتمتة» هى فن جعل الإجراءات والآلات تسير وتعمل بشكل تلقائى بكفاءة أكبر وزمن أقل وبدون تدخل إنسانى.
 
أما «الرقمنة» فهى تحويل الاتصال الكتابى والشفوى والسماعى والمرئى إلى رسائل إلكترونية رقمية يفهمها الجميع ويمكن حفظها واسترجاعها بسرعة وبيسر. يمكننا القول إن كل شىء فى العالم القديم كان يتطلب مستندًا مكتوبًا ليبقى، وإلا اندثر، لكن نتيجة الرقمنة الآن هى كفاءة أعلى فى العمل والفن والبحث والتعليم، بتكاليف أقل وتحكم أفضل وإتاحة غير مسبوقة، مما يضع أجيال أطفالنا وشبابنا أمام فرص لم تتح لآبائنا وجدودنا.
 
وأعود إلى سؤالكم عن الجامعات ومنح الشهادات، فالجامعات بشكلها التقليدى عليها أن تتغير، لأن سوق العمل تسبقها فى التطوير والابتكار، وإلا ستفقد وظيفتها فى صنع المستقبل.
 
اقرأ المزيد ..
 
إن التعليم العالى لا ينبغى أن نفكر فيه كرد فعل لحالة سوق العمل الحالية، أو نسب البطالة أو حال مهنة من المهن فى لحظة زمنية بعينها.. إلا أنه سيظل هذا النوع من التعليم الذى يرسم الأسس لملامح المستقبل، ويبنى البشر القادرين على صنع التنمية وليس ملء فراغ الاحتياجات فقط.. هو التعليم الذى يبنى الإنسان صانع الفرصة ومحققها، وليس فقط المستفيد منها، هو التعليم الذى يبنى الشخصية السوية التى تستخدم معطيات العصر لصالح الإنسانية وليس تدميرها.
 
لذلك فإن السؤال الأهم هو: ماذا نعتبر الجامعات فى رؤيتنا، بناة حضارة أم مجرد مقدمى خدمات، لأن ذلك هو ما سيخلق الفارق.
 
من وجهة نظرى، تحتاج الجامعات إلى معرفة أسباب التغير أو أسباب التمسك بما يظنه العلم والمجتمع ثوابت، ولكى يتسنى لها القيام بهذا، فعليها أن تتشكك فيما تم اكتسابه وتختبر أيضا أنماط التفكير المختلفة الموجودة فى كل مجتمع، كما أن على الجامعة أن تقوم بالمخاطرة بتقديم كل ما هو غير متوقع ولا تستسهل بقاء الأمر كما هو عليه.
 
قال شاب: هل يعنى كلامك أن الجامعات تجسد عمليات التغيير فى المجتمع... هذا ما لا نراه يا دكتور لأننا نرى الجامعات تلهث وراء الصناعات والتكنولوجيا الواردة من سوق العمل وليس العكس!.
 
قلت: الأصل أن دورها فى المجتمع هو ابتكار الجديد واستيعابه، ونقل وصنع المعرفة، وتحقيق التناغم والتكيف ما بين المعرفة وكيفية الحصول عليها واستخدامها فى وقتنا الحاضر، ومتطلبات المستقبل. وبدون البعد الأكاديمى البحثى والقيم الإنسانية للمجتمع البحثى، فإن التقدم الذى ننشده قد ينقلب إلى فوضى. بإيجاز شديد، إننا نواجه بلا شك تغيرات سريعة جدا فى وسط عالم به طفرات اقتصادية، واجتماعية، وثقافية، وعلمية، وتكنولوجية، والتحدى الذى يواجه النظم التعليمية كبير، وإذا كان معدل التغيير داخل أى مؤسسة تعليمية أبطأ من معدل التغيير الحاصل خارجها فعلينا العمل، وبسرعة، بأفكار ابتكارية، وليس بتكرار فعل ما تعودنا عليه وإلا سنحصل على نفس النتائج.
 
النظام التعليمى الذى يتجاهل المستجدات والتغييرات التى تشكل الغد ينهى علاقته أو ارتباطه بحياة الطلاب شيئا فشيئا، ولهذا يجب إعادة صياغة مؤسساتنا التعليمية منذ ما قبل المدرسة إلى الجامعة لنعد طلابنا الإعداد المناسب للمستقبل وليس للماضى.
 
الأمر يستوجب من المؤسسات الأكاديمية التى تأمل فى أن تظل قادرة على المنافسة أن تكون سبَّاقة فى تحديث برامجها الأكاديمية ووسائلها، والتعاون مع الشركات والصناعات التى تقوم بالابتكار فى البحث والتطوير، وتضمين تقنيات الواقع الافتراضى فى برامجها، والسماح بهذا النوع من التعليم فى الظهور والانتشار، لتوفير بيئة تساعد فى تحديث المهارات وتسهيل عملية التحوُّل الوظيفى للشباب، وأنا لا أنسى، هنا، أهمية أَنْسَنة التعليم رغم دعوتى لرقمنته..
 
ابتسم واحد من الشباب وقال: هذا أيضا جديد رغم سهولة فهمه، حتى لا تضيع إنسانيتنا وسط محاولات الرقمنة والأتمتة.
 
قلت: يا شباب، كل ما يتخيله العقل سيحدث، وإلا ما خطر على البال بادئ ذى بدء، ودورة الحياة البيولوچية التى كانت تُحسب بآلاف وملايين السنين، عمرها الآن أقل من سنتين.. المهم كيف نشارك فى صنع هذا المستقبل، ولا نظل جالسين فى مقاعد المتفرجين نصفق وننتقد وننقل ونشترى بلا إضافة حضارية؟!، وكيف لنا ونحن نشارك أن نحتفظ بمكارم الأخلاق وقيم الصدق والنزاهة والرحمة والتسامح والعدالة وغيرها من القيم الحميدة ونعلنها ونلتزم بها أثناء بناء ذلك المستقبل، بلا تعالٍ على غيرنا بثروة أو تاريخ أو دين، وبلا عنف ولا تمييز ولا كراهية، ولا تكفير، بل بانفتاح عقل، ومحبة، واحترام للاختلاف وتعددية للأفكار وبواقع جديد.
 

 

ahly 32

 

التعليقات

 

 
 



إذاعة القرآن الطريم

مقالات رئيس التحرير
رمضان كريم 1

مع الرحمة

هل تتوقع انخفاض أسعار السيارات بعد إلغاء تصديق أوراق استيراد سيارات المصريين بالخارج؟

  نعم

  لا


نتائج

أضف  البريد الالكتروني :
 
 

 

أضف  كلمة البحث :
 
 

 
 
 

رغم انها 4 حروف فقط ولكنها تحوي جميع معاني الجمال..الله💕