السبت 20 يوليو 2019 - 05:40 صباحاً , 18 ذو القعدة 1440

حديد المصريين


 

 

 

   ياسر عبدالعزيز يكتب: «الجزيرة» تواصل السقوط

    الاثنين 08 أبريل 2019 - شعبان 1440 04:16 مساءً

   

 

لأن ما يحدث فى ليبيا يهمنا، ويتصل مباشرة بأمننا القومى، فقد كان لزاماً أن نتابع بدقة ما يجرى من تطورات ميدانية وسياسية حاسمة وخطيرة راهناً فى هذا البلد العزيز على قلوب المصريين.
 
كيف يمكننا أن نتابع ما يجرى فى ليبيا، إذن، من مصادر إعلامية مصرية محترفة تمتلك قدرات على الأرض يمكن من خلالها نقل الأحداث المهمة لنا بدقة وتوازن وموضوعية، وتوضيحها عبر استضافة المحللين والخبراء الموضوعيين الثقات؟
 
للأسف الشديد، فإن أوضاعنا الإعلامية مأزومة إلى درجة كبيرة، بحيث نخفق كثيراً فى تغطية شأننا المحلى، ونخفق أكثر فى تغطية الشأنين الإقليمى والدولى، بالشكل الذى يتسق مع المعايير الدولية المرعية فى هذا الصدد، ومع حق جمهورنا فى التزود بمحتوى إعلامى جيد، يمكن من خلاله تكوين معرفة ثرية، وتطوير آراء رشيدة، واتخاذ قرارات أقرب للصواب.
 
أما والحال كذلك، فعلينا أن نبحث عن مصادر إعلامية دولية وإقليمية، تظهر اهتماماً واضحاً بهذه التطورات المهمة فى ليبيا، لكى نتزود منها بما نريد أن نعرفه ونفهمه.
 
يعطينا ذلك خلاصة مهمة عن تباطؤنا فى صيانة قدراتنا الإعلامية، وتقاعسنا عن تطوير تعبيرات إعلامية مصرية تهتم بالشأنين الإقليمى والدولى، وتقدم الإقليم والعالم إلى مصر، وتقدم مصر إلى الإقليم والعالم، وهى خلاصة يمكن تكثيفها على النحو التالى: «عندما تخفق فى الوفاء بحق جمهورك فى معرفة ما يريد أن يعرف، فتأكد أنه سيتزود بما يحتاجه من مصدر آخر.. حتى لو كان مصدراً معادياً».
 
لقد وقعت أسيراً لهذا المصدر المعادى لأكثر من ساعة من يوم أمس الأول السبت، محاولاً أن أفهم منه ما يجرى فى ليبيا الشقيقة، وكانت النتيجة تعرضى لعملية تحريف وتزوير قياسية، كان بوسع القائمين عليها تضليلى تماماً فى حال اكتفيت فقط بالتعرض للمواد التى يقومون ببثها.
 
أتحدث عن شبكة «الجزيرة» القطرية، التى تلعب دوراً غاية فى التدنى فى تغطيتها للشأن الليبى، وترتكب جميع الأخطاء والجرائم التى شخصتها أكاديميات الإعلام بشأن تغطية العمليات الحربية والنزاعات المسلحة.
 
ولكى نوضح الأمر، فقد لاحظت أن ما تبثه «الجزيرة» عبر وسائطها المختلفة، خلال هذه الساعة من نهار السبت، لم يخرج عما يلى: «تحذيرات إيطالية لحفتر»، و«الدول السبع الكبرى اتفقت على ضرورة الضغط على حفتر»، و«فرنسا تطالب حفتر بدعم المسار السياسى»، و«قوات حفتر تتراجع»، و«قوات حماية طرابلس تسيطر على كامل مطار المدينة»، و«القوات الحكومية تسيطر على مطار طرابلس وتطرد ميليشيات حفتر منه»، و«القوات الحكومية تتقدم فى كل محاور القتال جنوب طرابلس».
 
تلك كانت عينة من الأخبار التى حرصت «الجزيرة» على نقلها، عن مصادر بعينها، من دون محاولة موازنتها بآراء ووجهات نظر أخرى، لكى تعطى انطباعاً محدداً.
 
وببساطة، فإن من يتعرض لمثل هذا النوع من التغطية، الذى يتضمن أيضاً عدداً من الأفلام الوثائقية، والتقارير، والتحقيقات التى تستهدف تشويه صورة «حفتر»، و«فضح» علاقاته بدول عربية مثل مصر والسعودية والإمارات، سوف يعتقد بعد ساعات قليلة اعتقادين صارمين، أولهما أن «حفتر» شيطان، وثانيهما أنه هُزم هزيمة ساحقة.
 
ليس الأمر على هذا النحو بطبيعة الحال، لكن التغطية المنحرفة والمسيئة والمغرضة لـ«الجزيرة»، وبعض الوسائط الدولية والإقليمية الأخرى، تتسبب فى حرف اتجاهات الجمهور عن الحقائق.
 
ثمة عدد من الأخطاء المتعلقة بفهمنا لـ«الجزيرة» وتقديرنا لدورها، ومن تلك الأخطاء أن البعض يعتقد أن «الجزيرة» قناة ثورية، تنتصر للمتمردين والثائرين والمنتفضين ضد الظلم فى أى بلد.
 
كما يسود انطباع على نطاق واسع بأن «الجزيرة» تنتصر لتيار الإسلام السياسى، وأنها «تناضل» من أجل هذا التيار، وتدعمه بكل الطرق الممكنة.
 
ويعتقد البعض أن «الجزيرة» قناة مهنية، تناصر الحق، وتدافع عن حقوق الإنسان.
 
إن تلك الانطباعات خاطئة بكل تأكيد، فـ«الجزيرة» لا تناصر الثورات فى كل مكان، وإلا كانت ناصرت الانتفاضات التى شهدتها دول حليفة مثل تركيا وإيران والسودان، كما أنها لا تناصر الإسلام السياسى فى كل مكان، وإلا كانت ناصرت الإسلاميين فى الكويت وسلطنة عمان.
 
أما الحديث عن أن «الجزيرة» مهنية فيمكن كشف عواره وزيفه بسهولة شديدة عبر مطالعة ما تبثه عن الأحداث فى مصر والسعودية والإمارات وليبيا على سبيل المثال، وكيف أنها سخرت نفسها لتصبح أداة دعاية رخيصة ومباشرة على طريقة الأدوات الإعلامية لبعض النظم الاستبدادية فى خمسينات القرن الفائت.
 
حينما صدرت «الجزيرة» فى 1996، استبشرنا جميعاً خيراً بتعبير إعلامى عصرى جديد حرك ركود الإعلام العربى وزعزع استسلامه لسيطرة الحكومات، لكن القائمين عليها سارعوا إلى محاولة الاستفادة السياسية من تمركزها الجيد، وحولوها من مشروع وسيلة إعلام احترافية يمكن أن تتمتع بالمصداقية والاحترام، إلى أداة دعاية سوداء لمشروع سياسى مشبوه وخطر.
 
لا تنتصر «الجزيرة» للحريات، وإلا لكانت انتصرت لها فى دولتها، ولا تتحلى بأخلاقيات المهنة، وإلا لكانت كالت بمكيال واحد وليس بعشرات المكاييل، ولا تساند الثورات، وإلا كانت قد ساندتها فى الدول التى تتحالف مع أنظمتها، ولا تدعم الإسلام السياسى، وإلا لدعمته فى كل دولة من الدول، ولا تعمل عند «الإخوان»، وإنما تستخدمهم وتسخرهم فى خدمة المشروع الذى تروج له. يبدو الآن أن هذا الاستثمار الذى كان واعداً فى بدايته، خصوصاً عندما أعطى الثمار الطيبة للحكومة القطرية وحلفائها فى المنطقة والعالم، بات فى مهب الريح.
 
مستقبل «الجزيرة» يبدو غائماً وملتبساً وليس مشرقاً ومزدهراً على أى حال، لأنك ببساطة لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت، ولأن عدداً من العاملين فيها بدأوا يتساءلون عما إذا كانوا يعملون فى وسيلة إعلام أم فى «خدمة سرية» لمشروع سيجلب الدمار والفوضى لبلدانهم وشعوبهم.
 
فى تغطيتها للشأن الليبى، أثبتت «الجزيرة» أنها فقدت عقلها بعدما فقدت اعتبارها، وبينما هى ماضية فى طريقها لكى تخدم مشروع الفوضى وتحرس مستقبل الميليشيات الإرهابية فى هذا البلد، فقدت آخر ورقة توت كانت تخفى بها عوراتها.
 
لا يجب أن نلوم «الجزيرة» وحدها، علينا أيضاً أن نلوم أنفسنا، لأننا بكل ما ننفقه من مليارات على الإعلام، لم نطور تعبيرنا الإعلامى المحلى والإقليمى والدولى الملائم.
 

 

أوليكس

 

التعليقات

 

 
 



إذاعة القرآن الطريم

مقالات رئيس التحرير
رمضان كريم 1

مع الرحمة

التعمير والاسكان

هل تؤيد توصية البرلمان للوزارات بالاعتماد على التمويل الذاتى والابتعاد عن الموازنة العامة ؟

  نعم

  لا

  لا أهتم


نتائج

أضف  البريد الالكتروني :
 
 

 

أضف  كلمة البحث :