السبت 20 يوليو 2019 - 05:55 صباحاً , 18 ذو القعدة 1440

حديد المصريين


 

 

 

   علاء سعيد يرد بالدليل على من قال بوجوب محاربة النظام المصري بحجة أنه يحكم بغير ما أنزل الله (1)

    الثلاثاء 09 يوليو 2019 - ذو القعدة 1440 10:20 مساءً

   

 

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله ومن والاه-.
1- الشبهة:
أحبتي في الله: من ضمن شبهات الغلاة: أنهم يقولون بوجوب محاربة النظام المصري بحجة أنه يحكم بغير ما أنزل الله.
 
فقالوا بوجوب إزالته؛ لأنه يحكم بغير ما أنزل الله، فيجب علينا أن نزيله، وكيفية الإزالة: تكون بمحاربته وبأي شيء يُحدث فيه نكاية، هكذا يقول هؤلاء الغلاة.
 
الرد على الشبهة:
ابتداءً: مسألة الحكم بغير ما أنزل الله تحدثت فيها كثيرًا ونقلت فيها كلام أهل العلم -عليهم رحمة الله-، وذكرت: أن الحكم بغير ما أنزل الله من الكفر الأصغر وليس من الكفر الأكبر الذي يُخرج عن ملة الإسلام، ثم بينت أن القانون المصري ليس في كل جزئياته يخالف كلام رب العالمين -سبحانه وتعالى-، بل في أغلب جزئياته وفي أغلب أحكامه يوافق شريعة رب العالمين -سبحانه وتعالى-.
 
الدليل على أن القانون المصري لا يخالف في كل جزئياته قانون رب العالمين:
 
محكمة الأسرة.
والذي يدل على ذلك: لو أننا مثلًا دخلنا محكمة كمحكمة الأسرة ورأينا بما يحكم القضاة في قضايا الطلاق، والزواج، والخلع، ونحو ذلك مما يتعلق بالأسرة في قضايا المواريث، بما يحكمون؟ الجواب: يحكمون بشريعة الله -تبارك وتعالى-، أو بما يوافق شريعة الله أو بما لا يخالف شريعة رب العالمين -سبحانه وتعالى- من أقوال أهل العلم المعتبرين
 
1- القضاء الإداري.
لو نظرنا إلى القضاء الإداري، القضاء الإداري ليس عندنا فيه نصوص شرعية، إنما عندنا فيه مبادئ عامة، مصالح عامة، والقضاء الإداري: الحقوق التي بين الموظف والحقوق التي له عند الشركة، حقوق الشركة عليه، القرارات التي تصدرها الحكومة على العاملين أو على 
الموظفين؛ هذا يستحق مكافأة، هذا يستحق ترقية، هذا يستحق رواتب متأخرة، هذا كذا هذا كذا، هذه الأمور يُعمَل فيها بالمصالح العامة وإذا وُجِدَ عقد بين الموظف وبين هذه الشركة فإن المسلمين عند شروطهم كما قال النبي -صلوات الله وتسليماته عليه-.
 
 فهؤلاء القضاة في القضاء الإداري في المحكمة الإدارية، أو في محكمة القضاء الإداري تحكم وفق هذه العقود التي بين الشخص وبين الشركة أو المؤسسة التي يعمل عندها، فهي أيضًا لا تخالف في الجملة كلام الله -سبحانه وتعالى-، القوانين التي تتعلق بالمرور.
 
القانون الجنائي
يا أخي: حتى في القانون الجنائي؛ القانون الجنائي لو أننا نظرنا إليه -يا إخواني- هناك أشياء حتى نتصور ما معنى كلمة الحكم بغير ما أنزل الله ابتداءً، عندنا في شريعة الإسلام الأحكام نوعان: 
- أحكام محددة.
- وأحكام غير محددة.
2- الأحكام المحددة:
الأحكام المحددة ماذا تعني؟ يعني قال الله -سبحانه وتعالى-: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ، هذا حكم محدد لنوعٍ معين من أنواع الزناة وهو الزاني غير المحصن، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ، هذا نوع معين من أنواع السرقة وإلا فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ» ، -صلوات الله وتسليماته عليه-، وهؤلاء أيضًا يأخذون أموالًا، ويسلبون أموالًا وممتلكات.
 
حكم المنتهب:
إذًا هذه ماذا فيها؟ يعني المنتهب معنى أن النبي يقول: ليس عليه قطع ليس معناه أنه ليس عليه ذنب وليس عليه إثم، لا، عليه ذنب وعلى الحاكم أن يعزره، ينزل تحت الأحكام غير المحددة، الأحكام غير المحددة بإجماع أهل العلم -عليهم رحمة الله- سواء خالف واجبًا أو وقع في محرم من المحرمات فلولي الأمر أن يعزره. 
 
- كيفية التعزير.
 كيفية التعزير؟ التعزير موكل إليه بإجماع العلماء ويجوز أن يضع تعزيرًا ماديًّا، أو تعزيرًا بدنيًّا، أو بدنيًّا وماليًّا معًا على اختلاف وتفصيلات بين الفقهاء؛ فلو أنه مثلًا حكم بغرامة في هذه القضية، آنذاك هو لا يخالف الشريعة لو حكم بسجن في القضايا التي فيها تعزير، أغلب -يا إخواني- القضايا الموجودة حتى في المحكمة الإدارية ليست هي التي فيها الحدود.
 
القضايا التي فيها تعزير:
 إنما في القضايا التي فيها تعزير؛ يعني مثلًا قضية كقضية الزنا متى تثبت عندنا في الشرع حتى نقيم الحد؟ لابد فيها من الاعتراف أو شهود أربعة، ويرون المرجل في المكحلة -كما يقولون-، ويسألهم القاضي كل شاهد منهم على حده وعلى انفراد؛ ليتأكد من هذه المسألة.
 
إن لم تثبت للقاضي:
إن لم تثبت عنده بهذه القضايا، بهذه الصور؛ بعض العلماء يضيف مسألة أخرى: الحبل، لكن الآن أنتم ترون مسألة التلقيح الصناعي؛ ممكن امرأة تحمل بدون جريمة الزنا أو بواقعة الزنا التي نتحدث عنها، لو أنها قامت مثلًا بتلقيح صناعي، أنا لا أتكلم الآن على حكمٍ إنما أتكلم على الحدود الشرعية.
 
جاء هؤلاء وقالوا: لا، نحن لم نقع في الزنا، ولن نثبت القضية بأربعة من الشهود، وكانوا في بيت مثلًا ليس طيبًا، آنذاك القاضي هل يحكم عليهم بالحد في الشريعة أم يعزر؟ الجواب أنه يعزر.
 
قضية ذات حد شرعي محدد:
لو جاءت قضية من القضايا فيها حد شرعي محدد؛ محدد في القرآن، محدد في سنة النبي -عليه الصلاة والسلام-، آنذاك القاضي عندما يحكم بحكم يخالف ما جاء في القرآن وما في السنة هذا نقول عليه: هذا حكم بغير ما أنزل الله.
 
إذًا ليس في كل قضية نقول: هذا حكم بغير ما أنزل الله، إن كانت في القضايا التعزيرية فأمور التعزير مفتوحة بما يأتي بمصلحة على الناس، لكن الجزئية التي تخالف حكم الله -سبحانه وتعالى- في الأحكام المحددة لا في الأحكام غير المحددة.
 
مثال للأحكام غير المحددة: 
سامحوني في العبارة: لو أن إنسانًا مثلًا فعل مع امرأة كل شيءٍ إلا الزنا، ماذا في الإسلام؟ هذا يعزر، إذا عزره القاضي بتعزير بدني، أو بتعزير مالي، أو نحو ذلك، هل هذه تسمى مخالفة لشريعة الله؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأن هذه من باب التعزير.
 
الحكم المخالف للشريعة:
الجزء المخالف للشريعة؛ لو أن قاضي حكم فيه بغير الشريعة نحن نطالب بأن يُحكم فيه بشريعة الله -تبارك وتعالى-، ونقول بأن هذا الجزء لسنا مخيرين فيه، هذا كلام الله، هذا كلام الرسول -عليه الصلاة والسلام-، ونحن كمسلمين ينبغي أن نقول: سمعنا وأطعنا، لكن إن حدث هذا لا يكون كفرًا أكبرًا.
 
 وأما قوله -سبحانه وتعالى-: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ، أغلب أهل التفسير ذكر بأنها من الكفر الأصغر، ولا يمكن أن تكون أكبر إلا بعلةٍ، ليس بمجرد الحكم.
 
علة الكفر الأكبر:
 أن يكون جاحدًا لحكم الله عنده جحود.
 أو استحلال، الاستحلال ليس من الناحية العملية، لا، أن يعتقد حل هذه الفعلة، يعني يعتقد حل الخمر، الخمر حلال مع علمه بأن الله حرمها، أو يعتقد أن الزنا حلال مع علمه أن الله -تبارك وتعالى- حرمه، أن يعتقد أن قذف الشخص بالزنا حلال مع علمه بأن الله حرمه، الاستحلال بالجحود أو التبديل.
 
معنى التبديل: 
التبديل ليس معناه مغايرة الحكم، ذكرت قبل ذلك معناه: يأتي بحكم مخالف وينسب هذا الحكم المخالف لله؛ يعني نحن الآن عندنا بعض الأحكام مخالفة لهذه الأحكام المحددة في الشريعة لكنهم لا ينسبونها لله، يقولون أنها مستقاة؛ سواء أخذوها من البشر يقول لك: هذا قانون بريطاني، أو فرنسي، أو مصدره من أي جهة من الجهات، لكنهم لا ينسبونها لرب العالمين. 
 
شرط العلماء في التبديل: 
والعلماء اشترطوا في التبديل: أن يخالف الحكم وينسب هذا الحكم المبدل لله، فيفتري على رب العالمين -سبحانه وتعالى-، كما فعل اليهود؛ بدلوا حكم الرجم، ونسبوا هذا الحكم المخالف الذي هو التحميم والتشهير والجلد نسبوه لمن؟ نسبوه للشريعة، نسبوه لرب العالمين -سبحانه وتعالى-. 
 
إقامة الحجة: 
ولذلك هذه العلة من أين علمتم أن من يحكم بغير ما أنزل الله في هذه الجزئية المخالفة وإلا ليس في كل مسألة هم يحكمون بغير ما أنزل الله، في هذه الجزئية المخالفة التي هي مخالفة لحكمٍ محدد، من أين علمتم أنه فعلها على سبيل الاستحلال، وهذا الاستحلال يكون في القلب؟ لا يمكن أن تعرفه إلا إذا صرح صاحبه به.
 
من أين علمت أنه حكم بغير ما أنزل الله جاحدًا؟ من أين علمت أنه يفعل هذه الفعلة مستبدلًا؟ من أين علمت هذا؟.
 أنت حتى إذا وقع في هذه تحتاج إلى إقامة حجة وانتفاء مانع حتى تعين الشخص، وحتى تعين الشخص لابد أن يكون شخصًا يحسن إقامة الحجة هو الذي يقيم الحجة من أهل العلم، حتى لو أقيمت الحجة وانتفت الموانع، الإنسان لو وقع في كفرٍ أكبر في قول أو عقيدة، أو فعل من فعل الكفر الأكبر لا نستطيع أن نعينه إلا بعد إقامة حجة وانتفاء مانع، هذا أصل أهل السنة، حكم التكفير هذا حكم خطير ينبني عليه أحكام خطيرة.
 
ولذلك يتقدم من يحسن إقامة الحجة لإقامة الحجة عليه؛ للتبيين له، للتوضيح له، والحجة يعني: إقامة الحجة الرسالية؛ كلام الله، كلام الرسول -عليه الصلاة والسلام-، نبين له يمكن عنده شبهة، يمكن عنده شيء، فإذا أقيمت الحجة وانتفت الموانع لسنا نحن من نقيم الحدود عليهم ونسفك الدماء ونقول بحل الدماء، ونفعل مثل هذه الأفعال، إنما هذه لولي الأمر، إذا كان ولي الأمر هو المخالف فأمره إلى الله هو الذي يُحَاسَب بين يدي الله -تبارك وتعالى-.
 
أدلة من كلام أهل العلم:
هذا الكلام الذي أقوله تعالوا نقرأ كلام أهل العلم -عليهم رحمة الله-، لكن تقولون كلامًا بمجازفة بوجوب، كلمة وجوب هذه حكم شرعي، حتى تقول بها لابد من دليل شرعيٍّ واضح، وجوب محاربة النظام المصري وإزالته والنكاية فيه؛ لأنه يحكم بغير ما أنزل الله، وأنتم أصلًا ما تعرفون أن تضبطوا مسألة الحكم بغير ما أنزل الله.
 
الدليل من قول الطبري –رحمه الله-:
 اسمع ماذا قال شيخ المفسرين/ الطبري -عليه رحمة الله- ، قال -رحمة الله عليه- بعدما ذكر الأقوال عن السلف في تفسير آيات سورة المائدة قال: "وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب: قول من قال: نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب"، يعني كأنه يشير أنها خاصة بأهل الكتاب "لأن ما قبلها وما بعدها"، يعني من الكلام من السياق "ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت وهم المعنيون بها، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم فكونها خبرًا عنهم أولى".
 
إذًا جعلها الطبري -عليه رحمة الله- تساق عليهم مساق الخبر، لما أراد أن يقيسها -رحمة الله تبارك وتعالى عليه- على المسلمين قال: ننقلها على المسلمين بنفس العلة التي من أجلها حكم الله عليهم بهذا الحكم في هذه الفعل، فاستند للحديث الذي جاء في سبب النزول وذكر أن من وقع من المسلمين في هذه الفعلة؛ يعني في الحكم بغير ما أنزل الله على سبيل الجحود –انتبهوا للكلام- على سبيل الجحود فهذا هو الذي يكون وقع في الكفر الأكبر.
 
إذًا العلماء -عليهم رحمة الله- ذكروا أن المسألة ترجع –كما ذكرت لكم- لعلةٍ خارجية، ليست مجرد الحكم فقط بغير ما أنزل الله، والحكم بغير ما أنزل الله هذا يعتبر معصية وكفر أصغر.
 
متى يكون أكبر؟
متى تكون هذه الفعلة أكبر؟ إذا تعلقت بعلة أخرى، ما هذه العلة؟ ممكن استخفاف، استهانة بحكم الله، جحود، استحلال، تبديل، كما ذكرت لكم، وكما ذكر أهل العلم -عليهم رحمة الله- في كتبهم في هذه المسألة. 
الدليل من قول ابن عبد البر -رحمه الله-:
 
وتأمل أيضًا ما قاله ابن عبد البر -عليه رحمة الله-، ماذا يقول أيضًا في تفسير هذه الآية؟ يقول ابن عبد البر -رحمة الله عليه- : "وقد ضلت جماعةٌ من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب فاحتجوا بهذه الآثار ومثلهِا في تكفير المذنبين، واحتجوا من كتاب الله بآيات ليست على ظاهرها، مثل: قوله عز وجل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾".
 
لاحظوا على ماذا ينبه أهل العلم -عليهم رحمة الله-، وماذا يقول أهل العلم -عليهم رحمة الله- في مثل هذه الأمور.
 
الدليل من قول سعيد بن جبير -رحمه الله-:
لكن تعالى نقرأ التعليق الذي ذكرته لكم في مسألة الحكم، اسمع ماذا يقول سعيد بن جبير -رحمة الله عليه- : "ومما تتبع الحرورية من المتشابهة"؛ يعني من الأشياء التي تتبعها الخوارج؛ يقال عليهم: الحرورية؛ لأنهم ذهبوا إلى قرية يقال له: حروراء، "من المتشابه قول الله –تعالى-: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ويقرأون معها: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ، فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق" لاحظوا سعيد بن جبير ماذا يقول: "فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر، ومن كفر عدل بربه"؛ يعني جعل إلهًا آخر مع الله، "عدل بربه فقد أشرك، فهؤلاء الأئمة مشركون، فيخرجون فيفعلون ما رأيت"؛ يعني من استباحة الدماء ونحو ذلك؛ "لأنهم يتأولون هذه الآية"، إذًا سعيد بن جبير ينسب هذا الفهم لمن؟ للخوارج، إذا فهم من هذه الآية هذا الفهم.
 
الدليل من قول الجصاص عن طاووس:
 ولذلك مما جاء في كتاب أحكام القرآن للجصاص ينقل عن طاووس ، وهذا منقول في أغلب كتب التفسير، قال طاووس: "ليس بكفرٍ ينقل عن الملة"، وروى طاووس عن ابن عباس قال: "ليس الكفر الذي يذهبون إليه"، يعني ليس هو الكفر الأكبر، "في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾".
 
الدليل من قول ابن جريج عن عطاء:
وقال ابن جريج عن عطاء: "كفر دون كفر" يعني كفر أصغر، "وظلمٌ دون ظلم، وفسقٌ دون فسق"، يعني الثلاث آيات التي هي: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ، حملها على الكفر الأصغر، والظلم الأصغر، والفسق الأصغر.
 
الدليل من قول ابن عبد البر في التمهيد:
ولذلك يقول ابن عبد البر -عليه رحمة الله- كلامًا رائعًا ، يقول -رحمة الله عليه-: "أجمع العلماء" لاحظوا نقل هذا الإجماع، يقول: "أجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالمًا بما رويت في ذلك آثارٌ شديدة عن السلف، وقال عز وجل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ، فالذي حصل في الآثار المذكورة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-"، إلى آخر كلامه.
 
لاحظوا في البداية أنه ماذا يقول: "أجمع العلماء على أن الجور في الحكم من" ماذا؟ "من الكبائر لمن تعمد ذلك"، إذًا ننتبه لمثل هذا الحكم.
 
الدليل من قول إسماعيل:
وإسماعيل لما سأل الإمام أحمد -عليه رحمة الله-  قال للإمام أحمد: يقول: "سألت أحمد بن حنبل ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، قلت: فما هذا الكفر؟" ما معنى الكفر في هذه الآية؟ "قال: كفر لا يُخرج عن الملة"، هذا كلام واضح للإمام أحمد -عليه رحمة الله-.
 
 وهكذا قيسوا في كلام العلماء -عليهم رحمة الله-، تكلموا بهذا الكلام، وأنا نقلت قبل ذلك كلام أهل العلم -عليهم رحمة الله- في هذه المسألة.
 
لو وقع الشخص في شيء مخرج عن ملة الإسلام: 
 حتى الشخص لو وقع في شيء يُخرج عن ملة الإسلام؛ من قولة مثلًا حكم عليها أهل العلم بأنها من الكفر الأكبر، أو فعل فعلة حكم عليها العلماء أنها من الكفر الأكبر، أو عرفنا أنه اعتقد اعتقادًا -هذا عن طريق تصريح طبعًا-، عرفنا أنه وقع في اعتقاد يُخرج عن ملة الإسلام، ما نستطيع أن نقول: هو يخرج عن الملة وهو مرتد بذلك، المسألة ليست بهذه السهولة، إنما ربما وقع فيها جاهلًا، ربما وقع فيها متأولًا، ربما كان مخطئًا، ربما كان مكرهًا.
 
البحث عن الموانع والحجة المخرجة من الملة: 
إذًا لابد أن نعرف في موانع، هل وصلته الحجة أم لا، لابد من إقامة حجة وانتفاء موانع كما يذكر أهل العلم -عليهم رحمة الله- في هذه المسألة.
 
مثال من قول ابن تيمية:
 ولذلك ابن تيمية -عليه رحمة الله- ، ماذا يقول -رحمة الله عليه-؟ يقول: "وكنت أبين"-لاحظوا هذا الكلام!- قال: "وكنت أبين لهم أن ما نُقل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا" يعني من قال كذا فهو كافر، ومن قال كذا فهو كافر ويضع الضابط ويقول: هذا يعتبر
حكم على القول، حكم على الفعل، حكم على الاعتقاد، لكن ليس حكم على القائل، على الفاعل، على المعتقد، لابد أن نفرق بين الحكم بالتكفير على النوع والحكم على التكفير على العين، يعني أن تصدر قولة نقول: هذه كفر، لكن ما نستطيع أن نحكم على القائل إلا بعد إقامة حجة وانتفاء مانع، وهكذا في أفعال الكفر، وهكذا في معتقدات الكفر.
 
يقول ابن تيمية -عليه رحمة الله- عن هذا الضابط  يقول: "وكنت أبين لهم أن ما نُقل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضًا حق، لكن يجب التفريق" -لاحظوا كلمة "يجب" هذه- "لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين"، يعني بين أن تحكم بالإطلاق وبين أن تعين على شخصٍ معين تقول: فلان كافر، فلان مرتد، "وهذه أول مسألة" التي هي مسألة قضايا التكفير يعني الإيمان والكفر، "وهذه أول مسألة" هذا كلام ابن تيمية، "وهذه أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار"، يعني من مسائل العقيدة الكبيرة "وهي مسألة الوعيد، فإن نصوص القرآن في الوعيد مطلقة"، ماذا تعني؟ -انتبهوا كيف يَفهم الآيات- .. يقول: فإن نصوص القرآن في الوعيد مطلقة؛ كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ .
 
هل كل من يأكل مال اليتامى ينطبق عليه هذا الوعيد؟.
1- ربما عنده حسنات فالله –عز وجل- يغفر له.
2- ربما يقضي الله -تبارك وتعالى- عنه يوم القيامة.
3- ربما يغفر الله –تبارك وتعالى- له.
 
قول ابن تيمية في الوعيد:
يقول ابن تيمية: "فإن نصوص القرآن في الوعيد مطلقة؛ كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا....﴾ الآية، وكذلك سائر ما ورد؛ يعني من الآيات التي فيها وعيد، من فعل كذا فله كذا، فإن هذه مطلقة عامة، وهي بمنزلة قول من قال من السلف: من قال كذا فهو كذا، ثم الشخص المعين".
 
متى يلتغي ذلك الوعيد:
حينما ننزل هذا الكلام على حكم معين فهذا حكم بالإطلاق، لكن عندما نحكم على شخص معين ثم الشخص المعين يلتغي حكم الوعيد فيه، يلتغي بماذا؟ قال: "يلتغي حكم الوعيد فيه بتوبة"؛ ممكن يتوب إلى الله –عز وجل-، فهذا الوعيد لا يترتب عليه، "أو حسنات ماحية"لو حسنات كبيرة مثل: «لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ على مَن شَهِدَ بَدْرًا فَقالَ: اعْمَلوا ما شِئْتم فَقَد غَفَرتُ لَكُم» .
 
أو مصائب مكفرة؛ ممكن يصاب بمصيبة فيكفر الله عنه هذا الذنب.
أو شفاعة مقبولة؛ يشفع له أحد الشافعين.
 
مسألة التكفير:
والتكفير –اسمعوا العبارة فسيدخل في المسألة التي سنتحدث عنها- التكفير لا يجوز بهذا الإطلاق، يعني –حكم بغير ما أنزل الله- فيكفر كل الحكومة ويقول: قاتلوهم وهم حلال الدم، حلال المال، وكل نكاية فيها جهاد في سبيل الله، وهذا من الإفساد في الأرض، ومن الفساد في الأرض وليس من الجهاد في سبيل الله، وحكمكم من البداية خاطئ، والبناء عليه خاطئ.
 
رأي ابن تيمية في إطلاق التكفير: 
 ولذلك يقول ابن تيمية: "والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول"، انتهبوا! ربما يكذب أحدهم دون أن يعلم بأن هذا كلام الرسول، "فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول، لكن قد يكون الرجل حديث عهدٍ بإسلام"، يعني لم يعلم بعد أن هذا قول الرسول، "أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده، حتى تقوم عليه الحجة".
 
يأتي أحدهم ويقول لي: أنت تتحدث عن حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة! فأقول له: أكمل كلام ابن تيمية وأنت تعرف أن هذا ضرب أمثلة فقط، المسألة ليست مقصورة فيمن نشأ بباديةٍ بعيدةٍ، أو حديث عهدٍ بإسلام، ولذلك يقول: "ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة"، اسمع قول ابن تيمية: "وقد يكون الرجل لا يسمع تلك النصوص" لم يقل: نشأ ببادية بعيدة ولا أي شيء، لكن ربما لم يكن يسمع هذه النصوص، "أو سمعها ولم تثبت عنده"؛ ظن أنها ضعيفة، "أو عارضها عنده معارض آخر"؛ عنده آية أخرى أو حديث آخر ظن أن هذا يتعارض مع هذا، "أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئًا"، حتى وإن كان مخطئًا، لكن هذا التأويل الذي لديه، المعارض الآخر، أو لم تثبت عنده أو لم يسمعها، كل هذه تعتبر شبهات تدرأ عنه الحكم بالتكفير. 
 
ولذلك اسمع تكملة ابن تيمية يقول: "وكنت دائمًا أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: «إذا أنا مِتُّ فأحرِقوني ثمَّ اسحقوني في اليمِّ فواللَّهِ لئن قدَرَ اللَّهُ عليَّ ليعذِّبَنِّي عذابًا ما عذَّبَهُ أحدًا من العالمينَ» ، ففعلوا به ذلك فقال الله له"؛ بعدما بعثه "«ما حملَكَ على ما فعلتَ ؟ قالَ : يا ربِّ ما فعلتُ إلَّا من مخافتِكَ ، فغفرَ اللَّهُ لَهُ »،فهذا رجلٌ شك في قدرة الله".
 
 انتبهوا! الشك في قدرة الله يعتبر كفرا وبالرغم من ذلك ما كفر، لماذا؟ لأنه اسمع ماذا يقول ابن تيمية: "فهذا رجل شك في قدرة الله"وشك في أمر آخر: "وفي إعادته إذا ذريَّ"؛ يعني إذا ذريَّ وأصبح رمادًا شك أنه من الممكن أن لا يعاد إذا كان بهذه الصورة، بل اعتقد أنه لا يعاد، ولذلك وصى بهذه الوصية، وهذا كفرٌ باتفاق المسلمين؛ فالذي يشك في قدرة الله أو في إعادته في البعث هذا كفر، وبالرغم من ذلك اسمع قول ابن تيمية: "لكن كان جاهلًا"، أرأيت عذره؟ ولذلك لم يُكفر، ولذلك غفر الله له لو كان كافرًا ما غفر الله له، "لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا"حكم عليه بالإيمان على الرغم من أنه شكَّ في أصلين من أصول الاعتقاد: مسألة كمال قدرة الله، ومسألة البعث.
 
"وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك"اسمع بعدها قال: "والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل هذا"، إذًا هناك فرقًا بين الحكم بالعموم والحكم على الشخص المعين.
 
1- حجة من التاريخ:
ثم يا إخواني: حينما يتكلم هؤلاء بمثل هذا الكلام، أنتم ما تأملتم التاريخ، ما نظرتم في التاريخ؛ حينما خرج الحسين –رضي الله تعالى عنه- ما الذي حدث له؟ وفي نهاية المطاف كان الحسين يقول لهم: دعوني أرجع من حيث أتيت؛ يعني أرجع مرة أخرى إلى مكة، أو دعوني أذهب إلى ثغرٍ من ثغور الإسلام، أو أذهب إلى يزيد، يعني أراد أن يذهب إلى يزيد فيبايعه، في النهاية كان هذا اختيار الحسين في النهاية لما رأى ما رأى.
 
2- وانظروا ماذا فعل حينما خرج عبد الرحمن بن الأشعث ماذا فعل؟ سُفِكَت الدماء وضُيق على الناس أكثر وأكثر.
 
3- ولذلك ماذا قال أهل العلم -عليهم رحمة الله- في مثل هذا؟ بل ماذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-؟.
 
نتيجة المحاربة:
 مسألة وجوب محاربة النظام؛ ستسفك الدماء، وتُمزق أشلاء ودماء بريئة، ودماء معصومة، ويُشوه الإسلام، ويُضيق على الناس، أي عقل هذا الذي عندكم ؟
 
 بأي دين، بأي منهج، بأي آية، بأي حديثٍ تفهمون هذا الكلام؟!.
 
الدليل من السنة على وجوب الصبر على النظام: 
أما قرأت ما في الصحيحين أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «مَن كَرِهَ مِن أمِيرِهِ شيئًا»، لو أنت كرهت شيئًا من النظام مثلًا، «مَن كَرِهَ مِن أمِيرِهِ شيئًا» ماذا قال النبي –عليه الصلاة والسلام-؟ ماذا يفعل؟ قال: «فَلْيَصْبِرْ» هذا كلام الرسول -عليه الصلاة والسلام-: «مَن كَرِهَ مِن أمِيرِهِ شيئًا، فَلْيَصْبِرْ عليه، فإنَّه ليسَ أحَدٌ مِنَ النَّاسِ خَرَجَ مِنَ السُّلْطانِ شِبْرًا، فَماتَ عليه، إلَّا ماتَ مِيتَةً جاهِلِيَّةً» .
 
بل في الحديث الموجود في صحيح مسلم، حديث نافع: لما قال: «جَاءَ عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ إلى عبدِ اللهِ بنِ مُطِيعٍ حِينَ كانَ مِن أَمْرِ الحَرَّةِ»، تذكرون ما حدث في المدينة حينما سُفكت فيها الدماء؛ بسبب خروج بعض أهل المدينة في زمن يزيد بن معاوية، انظروا ماذا حدث: عبد الله بن عمر تدخل في المسألة، الحديث في صحيح مسلم: «جَاءَ عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ إلى عبدِ اللهِ بنِ مُطِيعٍ حِينَ كانَ مِن أَمْرِ الحَرَّةِ ما كَانَ»، الذي حدث هناك: «ما كَانَ، زَمَنَ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيَةَ، فَقالَ: اطْرَحُوا لأَبِي عبدِ الرَّحْمَنِ وِسَادَةً»، يعني عبد الله بن مطيع يقول: دعوا وسادة لأبي عبد الرحمن يعني لعبد الله بن عمر ضعوا وسادة بحيث يتكأ عليها أو يجلس عليها في المجلس.
 
 اسمع ماذا قال ابن عمر -رضي الله عنه-، قال: «إنِّي لَمْ آتِكَ لأَجْلِسَ»، يقول هذا عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- لعبد الله بن مطيع، «أَتَيْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يقولُهُ» ثم قال عبد الله بن عمر –رضي الله تعالى عنهما: «سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يقولُ: مَن خَلَعَ يَدًا مِن طَاعَةٍ، لَقِيَ اللَّهَ يَومَ القِيَامَةِ لا حُجَّةَ له، وَمَن مَاتَ وَليسَ في عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» ، هذا الكلام -يا إخواني- في صحيح مسلم، نحن ننقل أحاديث ثابتة عن النبي -عليه الصلاة والسلام-
 
كلام ابن تيمية في وجوب الصبر على النظام:
بل قال ابن تيمية –عليه رحمة الله- وهو يتكلم على هذا الحديث؛ فعلة عبد الله بن عمر مع عبد الله بن مطيع وهو ينصحه بعدم الخروج على يزيد بن معاوية، قال ابن تيمية: "وهذا حدَّث عبد الله بن عمر لعبد الله بن مطيع بن الأسود لما خلعوا طاعة أميرِ وقتهم يزيد، مع أنه كان فيه من الظلم ما كان"، يعني كان في يزيد من الظلم ما كان، وبالرغم من ذلك عبد الله بن عمر يحدثهم بهذا الحديث، "ثم إنه اقتتل هو وهم"، يعني عبد الله بن مطيع ومن معه اقتتل مع جنود يزيد، "وفُعِلَ بأهل الحرة أمورًا منكرة، فعلم أن هذا الحديث دلَّ على ما دلَّ عليه سائر الأحاديث الآتية من أنه: لا يخرج على ولاة أمور المسلمين بالسيف، أو لا يُخرج على ولاة أمور المسلمين بالسيف، وأنَّ من لم يكن مطيعًا لولاة الأمور مات ميتة جاهلية"، هذا كلام وتعليقات ابن تيمية –عليه رحمة الله-.
 
كلام آخرلابن تيمية:
ولابن تيمية –عليه رحمة الله- تعليقًا  قال: "وإن كان الفاعلون لذلك يرون أن مقصدهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، يعني حتى لو أنهم يرون أنهم يفعلون ذلك حتى يأمروا بالمعروف وينهون عن المنكر؛ كالذين خرجوا بالحرة وبدير بالجماجم على يزيد والحجاج وغيرهم، "لكن إذا لم يَزُل المنكر" –انتبهوا لهذه القاعدة المهمة- "إذا لم يزُل المنكر إلا بما هو أنكر" بمعنى: أنك تأتي لإزالة منكر تؤدي إلى ما هو أنكر، "إذا لم يزُل المنكر إلا بما هو أنكر منه صارت إزالته على هذا الوجه منكرًا، وإذا لم يحصل المعروف إلا بمنكر مفسدته أعظم من مصلحة ذلك المعروف كان تحصيل ذلك المعروف على هذا الوجه منكرًا"لماذا؟ لأنه مصلحته ستكون قليلة، والمفسدة التي ستترتب على الحصول ستكون أكبر، "وبهذا الوجه صارت الخوارج تستحل السيف على أهل القبلة حتى قاتلت عليًّا وغيره من المسلمين"، هذا كلام لابن تيمية -عليه رحمة الله- في منهاج السنة النبوية. 
 
نصيحة:
أولًا: هؤلاء لم يخرجوا عن ملة الإسلام، ودماؤهم محرمة عليكم، ثم إنه لم حدث خروجًا في هذه الأمة إلا وجرَّ على الأمة من المفاسد ما الله –تبارك وتعالى- به عليم، وهذا الكلام يخالف أحاديث النبي –عليه الصلاة والسلام- التي ذكرتها لكم آنفًا، وكلام ابن تيمية كلام واضح في المسألة؛ أن هذا الفهم فهم الخوارج الذين خرجوا على الأمة وبدلًا من أن يزيلوا منكرًا حدث ما هو أنكر، يعني أنتم ما تنظرون حتى لقاعدة المصالح والمفاسد المقررة في الشريعة.
 
كلام ابن تيمية في مسألة المصالح والمفاسد:
يعني ابن تيمية –عليه رحمة الله- في الحقيقة له كلام رائع في مسألة المصالح والمفاسد  قال –رحمة الله عليه- كلامًا رائعًا في الحقيقة في هذا الموضوع، قال: "ويعلمون أن الله –تعالى- بعث محمدًا –صلى الله عليه وسلم- بصلاح العباد في المعاش والمعاد"، يعني النبي –عليه الصلاة والسلام- أُرسل إلينا وبُعِثَ إلينا؛ حتى تصلح دنيانا وتصلح الآخرة، لا لنفسد الدنيا والآخرة.
 
قال: "بصلاح العباد في المعاش والمعاد، وأنه أمر –صلى الله عليه وسلم- بالصلاح ونهى عن الفساد، فإذا كان الفعل" انتبهوا لهذا الضابط: "فإذا كان الفعل فيه صلاح وفساد"، يعني اجتمع فيه الصلاح والفساد رجحوا الراجح منهما؛ هل الصلاح أكثر أم الفساد أكثر، "فإذا كان صلاحه أكثر من فساده رجحوا فعله"لو كان الصلاح أكبر، "وإن كان فساده أكثر من صلاحه رجحوا تركه" لماذا؟ لأنه سيترتب عليه مفسدة أعظم.
 
نتيجة الخروج على النظام: 
ولذلك انظروا لعبوات ناسفة، وتفخيخ، وسفك دماء، ماذا صنعتم؟ أديتم إلى سفك دماء، وإلى أقوام سُجِنَت، وأقوام هُجِّرَت، وأقوام سُفِكَت دماؤها، كل هذا لماذا؟ بأي شرع؟ بأي دين تفعلون هذا؟.
 
تكملة لكلام ابن تيمية في مسألة المفاسد والمصالح:
اسمعوا ماذا يقول ابن تيمية –عليه رحمة الله- يقول: "وإن كان فساده أكثر من صلاحه رجحوا تركه"طالما الفساد أكثر، "فإن الله تعالى بعث رسوله صلى الله عليه وسلم لتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها"، فإن كنت لا أقدر على تعطيل المفسدة أقللها، لكن أقوم بتزويدها! لماذا؟! ولذلك قال: "فإذا تولى من خليفة من الخلفاء؛ كيزيد، وعبد الملك، والمنصور، وغيرهم، إما أن يقال: يجب منعهم من الولاية وقتاله؛ حتى يولى غيره؛ كما يفعله من يرى السيف الذين يخرجون على الأئمة"؛ نخلع يزيد، عبد الملك، منصور أو غيره بالسيف، يقول ابن تيمية: "كما يفعله من يرى السيف" قال: فهذا رأيٌ فاسدٌ، فإن مفسدة هذا أعظم من مصلحته".
 
ولذلك انظروا! الذين أرادوا أن يخرجوا على يزيد ما المصلحة التي فعلوها حينما استُبيحت المدينة، أو حينما سُفِكَت دم بنت نبينا –صلى الله عليه وسلم- والحسين ومن معه.
 
يقول: "فهذا رأيٌ فاسدٌ فإن مفسدة هذا أعظم من مصلحته، وقلَّ من خرج على إمامٍ ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير"، يعني يتولد من الشر أكثر من الخير طالما فيها خروج على الإمام، "كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة، وكابن الأشعث الذي خرج على عبد الملك بالعراق، وكابن المهلب الذي خرج على ابنه بخراسان، وكأبي مسلم صاحب الدعوة الذي خرج عليهم بخراسان أيضًا، وكالذين خرجوا على المنصور بالمدينة والبصرة، وأمثال هؤلاء، وغاية هؤلاء: إما أن يَغلِبوا وإما أن يُغلَبوا، ثم يزول ملكهم فلا يكون لهم عاقبة، فإن عبد الله بن علي وأبا مسلم هما اللذان قتلا خلقًا كثيرًا، وكلاهما قتله أبو جعفر المنصور، وأما أهل الحّرَّة وابن الأشعث وابن المهلب، وغيرهم فهُزموا، وهُزِمَ أصحابهم فلا أقاموا دينًا ولا أبقوا دنيا".
 
انظروا لكلام ابن تيمية! أظن أني لو لم أقل كلام ابن تيمية وقرأت هذا الكلام تقولون: هؤلاء يداهنون السلطان، هؤلاء من علماء السلطان، أو من مشايخ السلطان، اسمعوا كلام ابن تيمية وكلام أهل العلم –عليهم رحمة-، "فلا أقاموا دينًا ولا أبقوا دنيا، والله تعالى لا يأمر بأمرٍ لا يحصل به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا، وإن كان فاعل ذلك من أولياء الله المتقين ومن أهل الجنة، فليسوا أفضل من عليٍّ، وعائشة، وطلحة، والزبير، وغيرهم ومع هذا لم يُحمدُ ما فعلوه من القتال"؛ يعني ما فعلوه من قتال هذا أمر غير محمود، "وهم أعظم قدرًا عند الله، وأحسن نية من غيرهم".
 يعني ما خرج طلحة والزبير إلا من أجل القصاص من قتلة عثمان، وما وقف علي –رضي الله تعالى عنه- هذا الموقف إلا عندما رأى أن في الاقتصاص الآن مفسدة أعظم، ولذلك مع حسن نيتهم إلا أن قتالهم هذا غير محمود، ولذلك قال: "وهم أعظم قدرًا عند الله وأحسن نية من غيرهم، وكذلك أهل الحَرَّة كان فيهم من أهل العلم والدين خلق، وكذلك أصحاب ابن الأشعث كان فيهم خلق من أهل العلم والدين والله يغفر لهم كلهم".
 
خطورة كلمة "يحكمون بغير ما أنزل الله":
الذي أريد أن أقوله –يا إخواني-: أننا لابد ابتداءً أن نعلم أن كلمة يحكمون بغير ما أنزل الله هذا كلام فيه مجازفة، إنما الجزء الذي يخالف الشريعة نقول: لا نستطيع أن نعين أحد بالكفر فيه إلا بعد إقامة الحجة، وانتفاء مانع، إذا أتاه على الوجه المكفر، ليس لأنه فعل هذه الفعلة بدون جحود وبدون استحلال، هذا من المعاصي وليس من الكفر الأكبر.
 
متى يكون كفرًا أكبرًا: 
 لا يكون كفرًا أكبر إلا بالاستخفاف بالشريعة، الاستهانة بالشريعة، استحلال، جحود، تبديل، على الوجه الذي ذكرنا، وهذا لا يكون مع الجميع، وهذا لا يبيح لك أن تقول بوجوب محاربة النظام، والنكاية فيه، وإسقاطه، و..، و..، ثم لابد من إقامة حجة، ولابد من انتفاء مانع، وحتى بعد إقامة الحجة وانتفاء مانع لست أنا ولا أنت من يقيم الحدود على الناس، إنما هذه لولي الأمر فإن خالف يُحاسب هو بين يدي الله –تبارك وتعالى-.
 
ثم انظروا عبر التاريخ ما خرج أحد على الحاكم إلا وتولد مفاسد أعظم، وقد نبهنا النبي –عليه الصلاة والسلام-: «مَن كَرِهَ مِن أمِيرِهِ شيئًا، فَلْيَصْبِرْ»، هذا كلام النبي –صلوات الله وتسليماته عليه-، وانظروا إلى نصيحة عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما- لعبد الله بن مطيع قبل أن يفعل ما فعله مع الأمير يزيد في المدينة، ثم انظروا للكلام الرائع الذي ذكرته لكم من كلام ابن تيمية.
 
خاتمة الرسالة: 
إذًا هذه الشبهة وهذا القول بوجوب محاربة النظام المصري بهذه الحجة، هذه شبهة متهافتة ضعيفة، ما ترخص لكم في هذه الفعلة ولا في هذا القول الذي تقولونه مجازفةً.
 
أسأل الله -تبارك وتعالى- أن يهدينا وإياكم لما اختُلِفَ فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ، وصلى الله وسلم وبارك على النبي محمدٍ وآله. 
 
 

 

أوليكس

 

التعليقات

 

 
 



إذاعة القرآن الطريم

مقالات رئيس التحرير
رمضان كريم 1

مع الرحمة

التعمير والاسكان

هل تؤيد توصية البرلمان للوزارات بالاعتماد على التمويل الذاتى والابتعاد عن الموازنة العامة ؟

  نعم

  لا

  لا أهتم


نتائج

أضف  البريد الالكتروني :
 
 

 

أضف  كلمة البحث :