الجمعة 22 نوفمبر 2019 - 07:09 مساءً , 25 ربيع الأول 1441

حديد المصريين


 

 

 

   د.أحمد البصيلي يكتب..”الرسول وبناء الإنسان”

    الخميس 17 أكتوبر 2019 - صفر 1441 12:10 مساءً

   

 

جوانب شخصية الرسول -عليه الصلاة والسلام- متعددة تعددًا يجعله منفردًا، ليس عن البشر فحسب، بل حتى عن الرسل، فشخصية الرسول تمثلت فيها كل جوانب الحياة، وما كل رسول كان له مثل هذا، فالرسول -عليه الصلاة والسلام- كان أبًا، وما كل رسول كان أبًا، وكان زوجًا، وما كل رسول تزوج، وكان رئيس دولة ومؤسسها، وما كل رسول أقام دولة، وكان القائد الأعلى لجيش الإسلام والمحارب الفذ، وما كل رسول حارب، وبعث للإنسانية عامة فشرع لها بأمر الله ما يلزمها في كل جوانب حياتها العقدية والعبادية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والسياسية، ولم يبعث رسول قط إلى الإنسانية عامة غيره، وكان المستشار والقاضي والمربي والمعلم والمهذب والعابد والزاهد والصابر والرحيم… إلى آخر صفاته -عليه الصلاة والسلام- التي استوعبت كل جوانب الحياة.
 
وقد يسأل سائل: ما الحكمة من هذا التنوع؟!
فنقول: إنما كان ذلك لأن الله -جلّت حكمته- جعل الإسلام المنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- نظامًا شاملاً لجوانب حياة البشر كلها، وجعل حياة رسوله نموذجًا لدينه كله في كل جوانبه، وشيء آخر هو أن البشر فيهم الأب والابن والزوج، وفيهم السياسي والاقتصادي ورجل الشورى، وفيهم المحارب والمسالم، وفيهم المبتلى والمعافى، وفيهم الراعي والرعية، وفيهم العامل والتاجر، فالحياة البشرية متعددة الجوانب، وكل إنسان يعيش حياة تختلف في بعض جوانبها أو تتفق مع الآخرين، وقد فرض الله على البشر -على اختلاف مستوياتهم- أن يكون الرسول قدوتهم في كل شيء، فما لم تكن شخصية الرسول متعددة الجوانب والمواقف هذا التعدد، لا يكون قدوة لكل البشر في كل شيء، فكل شخص يرى نفسه في هدي ومنهج رسول الله عليه الصلاة والسلام.
 
فالنبي -صلى الله عليه وسلم- كان الأخلاقي الأول؛ قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ، حيث إن أبرز سمة في شخصية الرسول -صلى الله عليه وسلم- المتعددة الجوانب أخلاقياته التي لا مثيل لها، وكيف نتصور إنسانية بلا أخلاق !!
 
إن أخلاق الرسول -صلى الله عليه وسلم- هي ميزة شخصيته الكبرى، حتى إنه ليحدد مهمة رسالته بقوله: “إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق”، وأخلاقه كما وصفتها سيدتنا عائشة -رضي الله عنها- هي القرآن؛ إذ قالت: “كان خلقه القرآن”.
 
فقد كان صلى الله عليه وسلم القمة في الصبر والرحمة والحلم والكرم والتواضع، فهذه من أمهات الأخلاق التي تحمد إذا كانت في محلها، حيث نرى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يضع كل شيء في محله، فإذا كان العفو غير محمود فلا عفو، وإذا كانت الرحمة غير محمودة فلا رحمة، وهكذا، فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الميزان الذي توزن بتصرفاته أخلاق البشر، ويتحدد بهذه التصرفات حدود كل خلق، فلا يطغى خلق على خلق.
 
فمن رحمته قوله في الطائف وهو يُؤذى ويُضطهد: “اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون” ومن حلمه كما قالت السيدة  عائشة -رضي الله عنها- قالت: “ما ضرب رسول الله بيده خادمًا له قط، ولا امرأة، ولا ضرب بيده شيئًا إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا خير بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما حتى يكون إثمًا، فإذا كان إثمًا كان أبعد الناس من الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتي إليه حتى تنتهك حرمات الله، فيكون هو ينتقم لله”.
 
ومن كرمه أنه “ما سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئًا قط فقال: لا”.
 
ومن تواضعه أنه كان يجلس على الأرض ويمازح الصغار وهو من هو.
 
إن العالم لم يعرف ارتفاعًا في الأخلاق في كلياتها وجزئياتها وأبعادها وشمولها كله، كما عرفه في رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكما شهد بذلك القرآن العظيم، وأن منتهى آمال أهل الأخلاق أن يقلدوه في خلق واحد من أخلاقه، وهم لا يرتقون بهذا الخلق إلا إلى بعض ما عنده -صلى الله عليه وسلم-.
 
إننا نرى في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الإنسان الحاني الرحيم، الذي لا تفلت من قلبه الذكي شاردة من آلام الناس وآمالهم إلا لباها و رعاها، وأعطاها من ذات نفسه كل اهتمام وتأييد، نرى فيه الإنسان الذي يكتب إلى ملوك الأرض طالباً إليهم أن ينبذوا غرورهم الباطل، ثم يصغي في حفاوة ورضىً إلى أعرابي حافي القدمين يقول في جهالة: “اعدل يا محمد، فليس المال مالك، ولا مال أبيك “.
 
نرى فيه العابد الأواب الذي يقف في صلاته، يتلو سورةً طويلةً من القرآن في انتشاء وغبطة لا يقايض عليها بملء الأرض تيجاناً وذهباً، ثم لا يلبث أن يسمع بكاء طفل رضيع كانت أمه تصلي خلفه في المسجد فيضحي بغبطته الكبرى، وحبوره الجياش، وينهي صلاته على عجل رحمة بالرضيع الذي كان يبكي، وينادي أمه ببكائه.
 
نرى فيه الإنسان الذي وقف أمامه جميع الذين شنوا عليه الحرب والبغضاء، وقفوا أمامه صاغرين، ومثّلوا بجثمان عمه الشهيد حمزة، ومضغوا كبده في وحشية ضارية، فيقول لهم، وهو قادر على أن يهلكهم: إذهبوا فأنتم الطلقاء.
 
نرى فيه الإنسان الذي يجمع الحطب لأصحابه في بعض أسفارهم، ليستوقدوه ناراً تنضج لهم الطعام، ويرفض أن يتميز عليهم.
 
نرى فيه الإنسان الذي يرتجف حين يبصر دابةً تحمل على ظهرها أكثر مما تطيق.
 
نرى فيه الإنسان الذي يحلب شاته، ويخيط ثوبه، ويخصف نعله.
 
نرى فيه الإنسان، وهو في أعلى درجات قوته، يقف بين الناس خطيباً فيقول: من كنت جلدت له ظهرا ، فهذا ظهرى فليقتص منه.
 
تتجلى فيه أعظم صور الإنسانية حينما يأتيه رجل يسرع الخطا ، يغشاه الفرح الكبير، وتغمره الفرحة العارمة؛ ليبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة معه، وعلى الجهاد في سبيل الله تحت رايته، يقول له: ” يا رسول الله جئت أبايعك على الهجرة والجهاد، وتركت أبواي يبكيان ” فيقول له:   عليه الصلاة والسلام ـ المثل الأعلى فى الإنسانيةـ : إرجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما.
 
إن الجانب الإنسانى قد تأصل في تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم حتى مع أشد أعدائه وخصومة، فقد روى أن سيدنا محمدا كان نائما تحت شجرة ـ بعد أن ترك سلاحه فوق أحد أغصانها ـ وإذا بيهودي يلتقط هذا السيف ويجثم علي صدر رسول الله صلي الله عليه وسلم ثم يدور بينهما الحوار التالي:
 
ـ من يمنعك مني اليوم يا محمد؟
 
ـ الله.
 
ـ لكنني سوف أتصرف معك بقوة هذا السلاح.
 
ـ الله يمنعني منك ومن غيرك.
 
لم تمض سوي لحظات حتي وقع السيف من يد اليهودى ، في تلك اللحظة التقط الرسول
 
السيف وجثم علي صدر اليهودي وكرر علي مسامعه الكلمات التي سبق أن رددها، وقال صلي الله عليه وسلم:
 
ـ من يمنعني عنك اليوم أيها اليهودي؟
 
ـ بكل انكسار.. قال: تمنعك أخلاقك.
 
فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركه ينصرف دون أن ينال منه
 
يأتيه أمين وحي السماء سيدنا جبريل عليه السلام، عند عودته صلي الله عليه وسلم حزينا كاسف البال من مدينة الطائف، عقب أن تعرض للإيذاء الشديد وضاق صدره وأخذ يشكو إلي الله هوانه علي الناس ويردد بينه وبين نفسه: ان لم يكن بك يا رب غضب علي فلا أبالي. في هذه الأثناء يفاجئه جبريل قائلاً: إن الله أمرني أن أطبق هذين الجبلين ، فجاء رد رسول الله صلي الله عليه وسلم كاشفا عما يكن قلبه من رحمة ورأفة. قائلا: يا أخي يا جبريل دعهم لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله. ثم رفع يديه إلي السماء قائلا: “اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون”.
 
عبارات تنبئ عن قوة تحمل وصبر تنوء الجبال بحمله. في هذه اللحظات يقول سيدنا جبريل: صدق من سماك الرءوف الرحيم.
 
تتجلى إنسانيته صلى الله عليه وسلم ـ كذلك ـ فى معاملته مع زوجاته، فإن سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم كلها صور مشرقة تدل على خُلقه الكريم عليه الصلاة والسلام في معاملة الناس جميعاً، ولكن سلوكه في بيته ومع أزواجه له دلالته الخاصة على رقة طباعه، وعمق عاطفته، وقدوته الفذة على مراعاة مشاعر أزواجه واحترام رغباتهن، مادامت لا تخرج عن حدود الشرع وأحكامه.
 
والمتأمل في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم يشهد الكثير من الأمثلة الرائعة على حسن ذوقه، وجميل طبعه، وكرم خلقه، وحسن معاشرته، ورفق معاملته، واعتدال مزاجه، وعدالة أحكامه، وصدق كلامه… وهذا الكمال الخُلقي من أعظم أدلة نبوته عليه الصلاة والسلام، يشهد الإنسان علو أخلاقه ومعاملته وحسن علاقته بأزواجه عند أول نظرة في سيرته، لم يكن فيه تعاظم وكبرياء الأقوياء بجاههم أو غِناهم، بل فيه سماحة الأنبياء، وندى العظماء، وسيرة الأتقياء، تجده يحنو على أزواجه ويعينهن، فيقم بيته بيده، ويحلب الشاة، ويخرز النعل، ويتلطف إليهن، ويداري غضبهن، ويعدل بينهن، ويراعي ما جبلن عليه من الغيرة، ويحتمل هفواتهن، ويرفق بصغيرتهن … وهكذا عاش الرسول صلى الله عليه وسلم عيشة إنسان لا ملاك، تلتصق خطواته بالأرض وقلبه معلق بالسماء، يهفو إلى ما عند الله.
 
إن الحديث عن هذه الجوانب في حياة النبي صلى الله عليه وسلم نافذة نفتحها لنطل بها على عظمة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لما نلحظه من عظمة هذا الجانب في حياته صلى الله عليه وسلم، وكيف أنه قد استوعب تلك الجوانب –جوانب الزوجية- حتى إنك لتكاد تظن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متفرغاً لها، بينما الأمر على خلاف ذلك، فكان يتحمل أعظم مسؤولية في تاريخ البشرية، وهي مسؤولية استنقاذ البشرية من النار، وإبلاغها رسالة الله عز وجل، ثم لا تأتي إلى جانب من جوانب حياته صلى الله عليه وسلم إلا ظننت أنه تفرغ لهذا الأمر وأقبل عليه بكليته، وهذا من جوانب عظمته صلى الله عليه وسلم.
 
كان صلى الله عليه وسلم رجل الأسرة الأول؛ فقد كان يعدل بين نسائه في السكن والنفقة والكسوة والمبيت والزيارات والوقت، وكان إذا أراد السفر أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، وأنه كان ينزل على مشورة بعض نسائه، وأنه كان يسمح لهن بمناقشته، وكان يداري قلوبهن حتى تصفو، وكن يأخذن حريتهن في الكلام فيسمع ويرد ويؤدب، ويحفظ لخديجة -رضي الله عنها- ذكراها بشكل منقطع النظير، فهو آية الوفاء في دنيا المروءة، وكان من وفائه لها أن يبر كل امرأة كانت لها صلة بخديجة، وأنه كان يذكرها بكل خير، حتى إن عائشة -رضي الله عنها- لم تغِر من امرأة كما غارت من خديجة وهي متوفاة.
 
إلى غير ذلك من الصور والتى تتجلى فيها إنسانيته صلى الله عليه وسلم فى صورتها الأكمل، وموردها الأصفى، وكيف لا وقد قال فيه ربه ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم)
 
وعن كرمه يروى الشيخان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال (ما سئل رسول الله  صلى الله عليه وسلم شيئا قط فقال لا ..) وأخرج أحمد عن أنس أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم لم يسأل شيئا على الإسلام إلى أعطاه قال فأتاه رجل فأمر له بشاء كثير بين جبلين من شاء الصدقة فرجع الرجل إلى قومه فقال يا قوم أسلموا فإن محمد يعطى عطاء من لا يخشى الفاقة)
 
نبى ما مثله نبى، وإنسان ما مثله إنسان، هو إنسان العيون، وعين الحياة لكل القلوب .
 
فاق النبيين فى خلق وفى خلق …. ولم يدانوه فى علم ولا كرم
 
منزه عن شريك في محاسنه *** فجوهر الحسن فيه غير منقسم
 
صلّ يارب وسلم على من كشف الدجى بجماله وفاق العلا بكماله وعظمت جميع خصاله، دائما نصلي عليه وآله.
 

 

أوليكس

 

التعليقات

 

 
 



إذاعة القرآن الطريم

مقالات رئيس التحرير
رمضان كريم 1

مع الرحمة

التعمير والاسكان

هل تؤيد مقترح حرمان الزوجة الناشز من النفقة حال الطلاق؟

  نعم

  لا

  لا أهتم


نتائج

أضف  البريد الالكتروني :
 
 

 

أضف  كلمة البحث :