الأحد 08 ديسمبر 2019 - 03:58 صباحاً , 11 ربيع الثاني 1441

حديد المصريين


 

 

 

   ياسر عبدالعزيز يكتب: كيف نحصل على صحافة جيدة؟

    الأربعاء 13 نوفمبر 2019 - ربيع الأول 1441 04:18 مساءً

   

 

حدث اختراق مفاجئ فى ملف الإعلام المصرى خلال الأسبوع الماضى، فبينما يعتقد كثيرون أن هذا الإعلام يمر بأسوأ أوقاته على الإطلاق، شهدنا حدثاً مثيراً ونادراً، إذ التأمت نخبة من النقاد والخبراء والمتخصصين لتناقش بقدر لافت من الانفتاح والعمق مشكلات هذا الإعلام، بموازاة ورشة من الجهود التدريبية والتنويرية، التى عززت مهارات مشتغلين بالمهنة، وحاولت بث الأمل من جديد فيهم.
 
جاء هذا الاختراق الذى فاجأ الأوضاع الراكدة فى صناعة الإعلام، عبر «منتدى إعلام مصر»، الذى اجتهد، على مدى يومى 3 و4 نوفمبر، فى محاولة لتقصى أسباب التراجع، واستكشاف طرق الخروج من الأزمة، التى يعترف بها الجميع تقريباً، سواء فى الحكم، أو المعارضة، أو الصناعة نفسها، أو بين أوساط الجمهور.
 
كان عنوان المنتدى فى نسخته الثانية هذا العام على هذا النحو: «الصحافة الجيدة: المحتوى، والممارسات، ونماذج الأعمال»، ومع ذلك، فقد اتسع النقاش ليشمل جوانب مختلفة؛ مثل الحريات، والتدريب والتطوير، والتمويل، وغيرها من القضايا التى تتقاطع مباشرة مع صناعة الإعلام وتؤثر فى مساراتها تأثيراً واضحاً.
 
فى الجلسة الرئيسية الأولى للمنتدى، حل كاتب هذه السطور متحدثاً؛ حيث سُئل عما إذا كان ثمة معايير قابلة للقياس يمكن من خلالها تعيين جودة الصحافة.
 
وكانت الإجابة: نعم، خصوصاً أن كل شىء غير قابل للقياس يبقى عرضة للتشكيك والتأويل والأهواء، ورغم أن البعض يرى أن الصحافة «فن» أو «إبداع وابتكار»، فإن هذا الفن والإبداع يحتاج إلى تعيين وتقنين، يُبقى فرصة اكتشاف الممارسات الجيدة سانحة، ويحفظ فرصة تمييزها عن الممارسات الرديئة، ويحظى بفرصة تكريس الممارسة الإيجابية وإشاعتها وصولاً إلى صحافة تليق بالجمهور والوطن.
 
وفى هذا الصدد، فقد استدل كاتب هذه السطور بمقولة الشيخ محيى الدين بن عربى، الذى قال فى قصيدته «الذى لا يعول عليه»: «كل فن لا يفيد علماً لا يعول عليه».
 
بسبب التطور اللافت فى الممارسة والأكاديمية الإعلامية الغربية، فقد نجحت مجموعة من الوسائل النافذة ذات الأسماء البراقة والعراقة فى أن تطور ما اصطلح على تسميته بـ«معايير الجودة العالمية فى مجال الصحافة» International Standards of Quality in Journalism، وهى معايير يمكن أن نجدها فى الأدلة الاسترشادية التحريرية لمؤسسات مثل «رويترز، وأسوشيتد برس، وبى بى سى»، وغيرها، ويمكن أن نجدها أيضاً فى الأدلة المهنية التى تصدرها هيئات أكاديمية أو منظمات دولية، خصوصاً فيما يخص الممارسات القطاعية التى تستهدف تغطية قضايا نوعية.
 
تستهدف هذه الأدلة، فى معظمها، تعيين القواعد والمعايير التى باتباعها يمكن الوصول إلى صحافة جيدة، ولأن هذه الأدلة تتقاطع وتتشابه فى مجملها، فقد بات لدينا ما يمكن اعتباره توافقاً دولياً على تلك المعايير.
 
لكن، يبقى السؤال: ما هذه المعايير؟
 
تتعلق تلك المعايير بأربع حزم رئيسية، تندرج تحتها مجموعة من العناصر.
 
الحزمة الأولى تنطلق من مفهوم الثقة Trust. وببساطة شديدة، فإن الممارسات الجيدة فى مجال الصحافة هى التى تحظى بالقدر الأكبر من الثقة من قبل الجمهور.
 
وهنا يبرز السؤال: هل تثق فيما تقدمه وسائل الإعلام؟ وإلى أى حد؟
 
كلما زادت ثقة الجمهور فيما تقدمه الصحافة، عرفنا أن هذه الصحافة تتحلى بقدر مناسب من الجودة، والعكس صحيح بطبيعة الحال.
 
ولكى تتحلى ممارسة صحفية بالثقة، فإنها فى حاجة إلى تبنى عدد من المعايير؛ منها الدقة، والوضوح، والاختيار المناسب للقصص، التى تلبى أولويات الجمهور، وتقع ضمن إطار اهتماماته الحيوية.
 
أما الحزمة الثانية فتتعلق بمفهوم الاعتماد؛ أى قدرة المنظومة الصحفية فى أى مجتمع على أن تحظى باعتماد جمهورها عليها، خصوصاً فى أوقات الغموض والخطر وعند تكوين الرأى واتخاذ القرار.
 
ولكى تحظى منظومة صحفية ما بالاعتماد، فعليها أن تقدم محتوى أكثر تناسباً مع احتياجات جمهورها، ووفاءً بانشغالاته، وإلا فإنه سينصرف إلى منظومات أخرى ليحصل على ما يحتاجه بالفعل ويلبى أولوياته الحيوية.
 
وتتعلق الحزمة الثالثة بمفهوم المتعة. فالصحافة الجيدة قادرة على أن تلبى حاجات الترفيه لدى جمهورها، وهو أمر يحتاج قدراً من الاحتراف، والمهنية، والجاذبية، والتقدم التقنى، الذى يصل إلى حد الإبهار أحياناً، فى ظل منافسة شرسة مع منظومات إعلامية عديدة.
 
وتأتى الحزمة الرابعة لتلقى الضوء على مفهوم غاية فى الأهمية يتعلق بالتنظيم المؤسسى.
 
وبوضوح أكبر، فإن مغامرات صحفية عديدة شهدتها الصحافة الوطنية، تحلت بقدر لافت من الجاذبية والإبهار أحياناً، لكنها لم تحظ أبداً بالاستدامة، والسبب يرجع إلى كونها لم تمتلك القدر الكافى من التنظيم المؤسسى الذى يضمن استمرار التجربة، عبر نموذج أعمال ذكى قادر على مقابلة التطورات المتسارعة التى تشهدها الصناعة، وبروز منافسين جدد بوتيرة متصاعدة.
 
يمنح التنظيم المؤسسى الجيد الممارسات الصحفية القدرة على الانتظام فى نمط معيارى، واعتماد سياسات توظيف عادلة وشفافة، وامتلاك رؤية ومهمة واضحتين، وتطوير خطة استراتيجية تمزج بين الاحتياجات التمويلية والإدارية والتحريرية، ولا تتغافل عن اقتراح الأنشطة التى تدر العوائد، بما يضمن الإنفاق على التطوير والأبحاث، ومواجهة تقلبات السوق.
 
لا يمكن لأى منظومة صحفية أن تمتلك الحد الأدنى المطلوب من الجودة من دون الوفاء بقدر مناسب من الحزم الأربع السابق الإشارة إليها، ولعلنا ندرك الآن أن الوصول إلى تلبية هذه الحزم من المطالب لا يمكن أن يتحقق من دور قدر كافٍ من التعدد والتنوع.
 
فالثقة التى هى عمود رئيسى من أعمدة جودة الصحافة تحتاج قدراً مناسباً من العرض الوافى للقضايا من دون حظر أو حذف أو تعتيم، وهو أمر لا يتحقق من دون تنوع كافٍ وفرصة لكل صاحب رأى أو مصلحة أو وجهة نظر لكى يعبر عن نفسه، وفق قواعد معينة.
 
والاعتماد لا يتحقق من دون أن يجد الجمهور فى صحافته ما يريد أن يعرفه ويقع ضمن أولوياته الحيوية، وهو أمر يتصل مباشرة بتوافر القدر الكافى من الحريات التى تتحلى بالمسئولية.
 
لقد كانت مصر دولة رائدة فى منطقتها فيما يتصل بالتأثير والنفاذ الإعلاميين، لكنها الآن تتراجع إعلامياً فى ظل منافسة شرسة، ولكى تحافظ على مكانتها الإعلامية عليها أن تتبع طريق الصحافة الجيدة.
 

 

أوليكس

 

التعليقات

 

 
 



إذاعة القرآن الطريم

مقالات رئيس التحرير
رمضان كريم 1

مع الرحمة

التعمير والاسكان

هل تؤيد مقترح حرمان الزوجة الناشز من النفقة حال الطلاق؟

  نعم

  لا

  لا أهتم


نتائج

أضف  البريد الالكتروني :
 
 

 

أضف  كلمة البحث :