الأحد 07 يونيو 2020 - 09:36 صباحاً , 16 شوال 1441

حديد المصريين


 

 

  تنهيدة قلم

   ملهم العيسوى يكتب: هكذا علمتني التجربة

    الأحد 09 فبراير 2020 - جمادى الثانية 1441 12:34 مساءً

   

 

 
 
جاء في كتُب السِّيرة والتَّاريخ: أنَّ خالد بنَ يَحيى البرمكي لمَّا ظلم وتجبر ونكب، وكان وزيرًا في الدولة العباسية، سُجِن هو وابنه، ولمَّا كانا في السّجن، وهما مصفَّدان مغلولان مقْهوران مأْسوران، قال الابن لأبيه: يا أبتِ، بعد العزِّ أصبحْنا في القَيد والحبْس، بعْد الأمْرِ والنَّهي والجاه والسلطان صِرْنا إلى هذا الحال! فقال: يا بُنَيَّ، دعوة مظلوم سرت بلَيْل، ونحن عنها غافلون، ولم يغفل الله عنْها...
 
وهنا الرسالة الأهم في هذا المقال.. إنها الرسالة الربانية لكل مظلوم، ولكل ظالم.. ولكل صامت عن الحق.. رسالة لا تعرف التشفير.. رسالة مقروءة ومسموعة ومرئية.. رسالة ذات بريق يأخذ العين والقلب معا.. تقف أمامها العقول والقلوب مشدوهة!!
 
فللمظلوم.. 
هنيئاًً لك فقد أصبحتَ في معيةِ ربك.. أصبحتَ مُجاب الدعاء، فدعوة المظلوم لا تُرد فقد أقسم رب العزة بذلك حينما قال في الحديث الصحيح " وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين" فدعاؤك ليس بينه وبين الله حجاب.
 
فقط عليك أن تجتهد في القرب منه سبحانه، في السجود بين يديه، في الإقبال عليه، في التململ إليه، في الارتماء في أحضان لطفه ليُطبطب عليك بحنانه ومَنّه، ليُنسيك ما تشعر به من ظلم...
 
إياك ثم إياك أن تكون مثلهم.. إياك أن تُزّور مثلهم، أو تشهد زوراًً مثلهم، أو تغتاب مثلهم، أو تَنتهك الأعراض بلسانك وأفعالك مثلهم.. كن مع الله يكن الله معك، تقرب إليه بأن ترعى الله في حقوق ظالميك فلا غيبة ولا نميمة ولا وصول إلى هدفك إلا بالحق وبالصدق، وبمنظومة القيم التي علمك إياها دينك وشريعتك..
 
أنت في كنف الكريم.. وثق عن تجربة لن يُضيمك... كل ما عليك فقط أن تقترب منه، أن تبثه شكواك، أن تقول له يارب "لقد اظهروا عليّ قوتهم فأرني فيهم قوتك".. قل له "يارب ظلموني وليس لي نصير غيرك فانصرني"، قل "إني مغلوب فانتصر.." ستُفتحُ أبواب السماء لدعائك وسيكون النصر حليفك..
 
وإذا اشتدت بك الأزمات، وتاهت بك الطرقات، وغارت من أمام عينك أنوار الأرض، فاهرع إليه وحده، والتمس النور عنده، وفي هذه اللحظة التي سينقطع فيها كل أمل لديك ستجد أبواباًً من النور تُفتح، وسترى فرج ربك يتجلى لدرجة تُدهش عقلك وتجعلك تنطق بلسان حالك ومقالك ... سبحانك ربي ما أعظمك!!
 
ولا تعجل.. فلربك تدابير لو علمتها لذُبتَ خجلاًً من تدبير الله لك، لا تعجل فعسى أن تكرهوا شيئاًً ويجعل الله فيه خيراًً كثيراًً.. لا تعجل فربما كان في العجلة شر، وربما يؤخر الله نَصرك لحكمة يَعلمها.. وأنت لا تعلم..
 
صدقني أحدثك عن تجربةِ أليمةِ مررتُ فيها بساعات صعبة على الجبال الشُم الرواسي أن تتحملها، لكن لطف الله كان أقرب مما أتصور.. وظهر نصر الله في أشد ساعات المحنةِ سواداًً حتى عدت أقول: "سبحانك ربي ما أعظمك"..
 
ظهر الكذّابون.. بان الأّفاكُُون، وضح أمام الأعين جميعاًً من هم شاهدوا الزور، ومن هم النمامون الخائضون في الأعراض، ومن هم المُُزّورون المُُدّلسون، ومن هم الأّفاقون الكََذّابون، ومن الصادقون العاملون من أجل مصالح العباد..
 
وسبحان الله.. وكأن تلك المحنة أظهرت لي ما كان غائباًً عني من نعم الله بين يدي وما كنتُ أعرفُها.. عدتُ كما كنتُ وأقوى.. وما زال خير الله يتواصل وعطاؤه يترى بلا حدٍ ولا عَد..
 
أما أنت أيها الظالم...
فإن لم تدركك رحمة الله وتتوب وترد المظالم لأهلها فأبشرْ بكل شر.. أََبشرْ بنار جهنم.. أََبشرْ بردغة الخبال.. أََبشرْ بعصارة أهل النار تشرب منها، أََبشرْ بخزي في الدنيا وعذاب في الآخرة.. قال رسول الله في الحديث الصحيح: (أَتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ؟ قالوا: المُفْلِسُ فِينا مَن لا دِرْهَمَ له ولا مَتاعَ، فقالَ: إنَّ المُفْلِسَ مِن أُمَّتي يَأْتي يَومَ القِيامَةِ بصَلاةٍ، وصِيامٍ، وزَكاةٍ، ويَأْتي قدْ شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأَكَلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعْطَى هذا مِن حَسَناتِهِ، وهذا مِن حَسَناتِهِ، فإنْ فَنِيَتْ حَسَناتُهُ قَبْلَ أنْ يُقْضَى ما عليه أُخِذَ مِن خَطاياهُمْ فَطُرِحَتْ عليه، ثُمَّ طُُرِحَ في النَّارِ) ..
 
أظننتَ أن الله يَنسى.. أظننتَ أن الله لا يَغارُ على حقوقِ عباده.. أموالهم وأعراضهم وسمعتهم .. أظننتَ أن طول الزمن سيجعل ظلمك في طي النسيان...
 
أو ما قرأتَ قوله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا)64: مريم.. أو ما قرأتَ قوله تعالى:  (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا  وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا  وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) 49: الكهف.. أو ما قرأتَ قوله تعالى: (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) 29: الجاثية
 
أم تَرى أن قوتَك قد غرتك، غرك مالك، غرك جاهك، غرك نفوذك، غرتك صحتك وعافيتك..؟؟!!! ألا تعرف فرعون صاحب النفوذ والسلطان الأقوى في التاريخ، ألا تعرف هامان صاحب الجاه والسطوة الأكثر، ألا تعرف قارون التي كانت مفاتيح خزائنه تستعصي حملاًً على المجموعة من الرجال الأقوياء...
 
من أنت بالنسبة لهؤلاء حتى تَغتر؟!! أتعلم أين هم الآن؟!! إنهم في مزبلة التاريخ.. لا يذكرهم الناس إلا باللعنات.. لأنهم ظالمون، ظلموا وطغوا وبغوا، انتهكوا الأعراض، واستباحوا الحرمات.. تماماًً كما فعلتَ أنتْ..
 
قال رسول الله في الحديث الصحيح من حديث أنس بن مالك رضى الله عنه قال النبي:( لما عُرِجَ بي - أي ليلةَ الأسراءِ والمعراج- مَرَرْتُ بقومٍ لهم أظْفَارٌ من نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُم- أي يُمزقون لحم الوجوه، ولحم الصدور- فقلتُ: مَنْ هؤُلاءِ يا جِبْرِيل؟ قال: هؤلاءِ الذين يَأكُلُونَ لحُومَ الناسِ، ويَقَعُون في أعْرَاضِهم!) إلى هذه الدرجة.. (هؤلاء الذين يأكلون لحومَ الناسِ، ويقعون في أعراضهم) ..
 
و قال النبي صلى الله عليه وسلم أيضاًً: ( كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ)..
 
عموما أنا في انتظار قضاء الله لك أيها الظالم.. في انتظار غرقك كفرعون لكنه غرق في هموم الحياة التي تُنسيك خلقه وتعافيهم من ظلمك.. في انتظار خسف الله بك وبمالك وبما ظننتَ يوماًً أنه سيمنعك من الله، وقد أراني الله ما يَجعلني مُطمئناًً لقدر الله عز وجل...
 
أما أنت أيها الصامت المتفرج.. 
فاعلم أن صمتك مشاركة في الظلم.. اعلم أنك بصمتك تقتل مع القاتل، تسرق مع السارق، تغتاب مع المغتاب وتنم مع النمام، وتكذب حينما تصمت أمام الكاذب..
 
لن أطيل معك كـثيراًً.. وسأحيلك إلى كلام الصادق الذى لا ينطق عن الهوى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح عند البخاري عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (أُمِرَ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ أَنْ يُضْرَبَ فِي قَبْرِهِ مِائَةَ جَلْدَةٍ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُ وَيَدْعُو حَتَّى صَارَتْ جَلْدَةً وَاحِدَةً، فَجُلِدَ جَلْدَةً وَاحِدَةً، فَامْتَلَأَ قَبْرُهُ عَلَيْهِ نَارًا، فَلَمَّا ارْتَفَعَ عَنْهُ قَالَ: عَلَامَ جَلَدْتُمُونِي؟، قَالُوا: إِنَّكَ صَلَّيْتَ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَمَرَرْتَ عَلَى مَظْلُومٍ فَلَمْ تَنْصُرْهُ)...
 
وأنا أسألك: كم مرة صَمتَّ وهم يغتابونني أمامك؟، كم مرة صَمتَّ وهم يَنهشون عِرضي على مَسمعٍٍ من أُُذنيك؟!، كم مرة صَمتَّ وأنت ترى شهود الزور يقولون ما تعلم أنه لم يحدث؟!، كم مرة شَاهدتَ وسَمِعتَ ظلمهم لي، كم مرة عَلمِتَ وسَمِعتَ بسعيهم الدؤوب لتدمير بيتي وعملي بل وإيذاء أولادي من أجل التسليم و رفع الراية؟!، وكم مرة سمعتَ وشاهدتَ وعرفتَ وحُكى لك الظلم والافتراء والتشويه والتشهير وتقول "خلينى في حالي حتى لا يغضب منى أحد"؟!، وكم مرة قرأت باطلاًً وافتراءً  علىَّ بكل أنواعه وأنت تعلم أن كل هذا كذب ولم تنطق بكلمة صدق وحق؟!،  وكم مرة، وكم مرة ، وكم مرة؟
 
أتراك تتحمل ضربة واحدة تشعل القبر عليك ناراًً؟!، أم تراك آمناًً من تقلبات الأيام وتظن أن صمتك دوماًً سيجعلك حبيباًً وقريباًً للجميع؟! 
 
ثم إني أسألك: ألا تفقد احترامك لنفسك حينما تشارك هؤلاء في ظلمهم للأبرياء؟!، كيف تنظر لنفسك في المرآة وأنت ملوث بهذه القاذورات؟!
 
قال رسول الله (مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا عِنْدَ مَوْطِنٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ) 
 
اقرأ أيضاًً.. قَال رسول الله: (إنَّ النَّاسَ إذا رأَوُا الظَّالمَ فلم يأخُذوا على يدَيْه أوشك أن يعُمَّهم اللهُ بعقابٍ وإنِّي سمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ : ما من قومٍ يُعمَلُ فيهم بالمعاصي، ثمَّ يقدِرون على أن يُغيِّروا، ثمَّ لا يُغيِّروا إلَّا يوشِكُ أن يعُمَّهم اللهُ منه بعقابٍ)..
 
على أية حال.. قارئي العزيز.. تلك كانت خواطر من تجربة عجيبة.. غريبة.. صعبة.. ثقيلة.. مدهشة.. عجيبة في تفاصيلها، غريبة في تطوراتها، صعبة على النفس تحملها، ثقيلة على الروح ساعاتها، مُدهشة في نتائجها التي أظهرت قدرة الله جل وعلا وتدابيره العجيبة لأوليائه وأحبابه..!!
 
 أخر كلام..
 الأقدارُ لها أسرار.. وقد يَكُونُ قدرُ اللهِ صعبُ عليك.. وَلَكِنْ عندما يَكشفُ لك القدرُ عن سِره.. تكتشفُ عظيمَ فضلِِ اللهِ عليك..
 

 

أوليكس

 

التعليقات

 

 
 



إذاعة القرآن الطريم

مقالات رئيس التحرير
رمضان كريم 1

مع الرحمة

التعمير والاسكان

هل تؤيد المطالبات بالتوسع فى المدارس الرسمية للغات بسبب تزايد الإقبال؟

  نعم

  لا

  لا أهتم


نتائج

أضف  البريد الالكتروني :
 
 

 

أضف  كلمة البحث :