السبت 27 نوفمبر 2021 - 08:27 صباحاً , 22 ربيع الثاني 1443

ahlt


 

 

 

   مفيد فوزي يكتب: حين يغيب الوعى!

    الأحد 23 مايو 2021 - شوال 1442 03:56 مساءً

   

 

حين يغيب الوعى تتسطح الأمور وتدخل المنطقة الضبابية، فالذى غاب هو الانتباه والفطنة والاستعداد للفهم. وما الإنسان إلا قدرة على الانتباه وشىء من الفطنة والرغبة فى المعرفة والفهم. وحين تتعطل هذه القدرات يفقد الإنسان التمييز وصواب الاتجاهات! البلاد المتقدمة تدفع بشعوبها لتشغيل جهاز الوعى الجمعى، ويا ويل أمة يتعطل جهاز وعيها!.
■ ■ ■
على مدى مشوار عمرى الصحفى، التزمت بنصيحة المفكر الكبير، الذى ظلمناه حيًا وميتًا وهو سلامة موسى، كنت وأنا أتدرب فى «أخبار اليوم »مع مجموعة من الزملاء، قبطانها صلاح جلال، أفعل شيئين: أذهب إلى المكتبة أقضى ساعات من القراءة لهيكل والتابعى، والأمر الثانى أجلس فى أقرب كرسى لسلامة موسى أسمعه وأصغى له بجوارحى وأحاول أن أهضم ما يقول. مرةً تكلم عن المهنة وقال «إن دور الصحفى الحق هو التنوير»، سألته عن التنوير فقال: «إضاءة العقول بالمعلومة»، قال ذات مرة لزميل لنا: «إن لم يكن عندك معلومة تعطيها لقارئك، فالأولى بك أن تختار مهنة أخرى».
 
واستطرد يقول كأستاذ للمهنة: «المعلومة المباشرة ستجد رفضًا وربما مقاومة» وقال: إيصال المعلومة يتوقف على مهارتك فى السرد، حتى المعلومة الرقمية اكتبها بالحروف، لأننا لم نتعوّد بعد على ثقافة الرقم، بيد أن الدول المتحضرة تقيس كل شىء بالأرقام، وهو مقياس دقيق لا يخيب. كان سلامة موسى يقول «الصحفى حفنة معلومات تزيد أو تنقص، يتوقف الأمر على النفس الطويل الذى يملكه كصحفى، وعندما تتأهب لكتابة موضوع ما، تبحث عن معلومات هى زادك للكتابة كالخبر الذى تغمس فيه قلمك! أنت تستعد بالمعلومة - هكذا يقول سلامة موسى وترصع مقالتك أو تحقيقك بالمعلومة «لتجلى الصدأ عن العقول المتلقية» ليمكنها - بالفهم - أن تميز فلا يخدعها أحد.. ويا ويل أمة يتعطل جهاز وعيها!.
■ ■ ■
تطورت وسائل المعلومات المتاحة وكثرت منابعها، لكن أخطرها صار اليوم «مواقع التواصل والتويتر والإنستجرام». إن الحدث قد تراه صوتا وصورة فى التو واللحظة، والتعبير على مواقع التواصل يتم فى ثوانٍ، وتراه الكرة الأرضية فى نفس الثوانى، وربما كان محتوى المكتوب على مواقع التواصل كذبًا وبهتانًا يرمى إلى زعزعة الاستقرار أو إثارة ذعر أو سخط!، هنا يدخل الوعى الجمعى فى امتحان، وما لم يكن الوعى حاضرًا وغير غائب، فإنه يصيب بالسخط أو الذعر أو الإحباط ويكون قد حقق هدفه المرجو!. أما حين يكون الوعى حاضرًا منتبهًا مزودًا بالفهم والمعلومة فإنه يرفض البوست أو هذه التغريدة السامة أو الشائعة الكاذبة، لكن هذا الرفض له مقومات، تسعى الدول لترفع درجة وعى مواطنها: المثقف والمتعلم والجاهل على وجه الخصوص الذى «مقتله فى أذنه»، أما المتعلم فإنه يتشكك، لكن المثقف يزن الأمر بميزان العقل الواعى، وكم من ميليشيات إلكترونية لعبت بكل الوسائل حتى تخترق جهاز الوعى وتؤثر فيه، لكن جهاز الوعى الذى ينتبه من أين تأتى السهام السامة يرفض المحتوى ويقيم بعقله الواعى سدًا منيعًا يقف ضد سهام الأعداء من الداخل أو الخارج.. ويا ويل أمة يتعطل جهاز وعيها!.
■ ■ ■
ما هى المعلومة التى قصدها المفكر سلامة موسى؟.. إنها أى خبر وتعليق أو تحليل يرتبط بالشأن العام، كل ما يزيد ويثرى ويغذى بصيرة الإنسان.
 
ذات مرة لا أنساها، قال لى أحمد بهاء الدين: بدلًا من تجويد أسلوبك وإغراقه فى بحر المحسنات البديعية اللغوية اهتم بالمعلومة، فالقارئ اللبيب يقيسك بحجم المعلومات فيما تكتب، وبعض الدول فى القارة الإفريقية تستخدم الإذاعة فى تبصير مواطنيها بالشأن العام، وتنجح لأنها تقدم هذه المعلومات فى شكل حكايات!. نعم فى شكل حكايات ليسهل ابتلاعها. كان أحمد بهاء الدين يلمح إلى ولعى الشديد بأسلوب هيكل، حتى إنه فى نوبة غضب قال لى: مفيش غير هيكل واحد فى مصر!.
 
إن المعلومة - كما فهمت من سلامة موسى - هى النظر للأحداث اليومية بانتباه، ذلك لأن الناس مشغولة بالترند، وعلينا - كأجهزة إعلام - أن نغير نظرة الناس من الترند إلى المعرفة، وإذا كان الترند من مفردات العالم المتحضر، فلا بأس - بشرط ألا تأخذ من التحضر قشوره! حتى الترند انحط، لدرجة أن يمشى رجل عاريًا فى الشارع ليبلغ الترند!.
 
تنقصنا الجدية، ولا أحد سوى أجهزة التعليم وقنوات التليفزيون قادرة على زرع الجدية والاهتمام بالشأن العام. الألمان - على سبيل المثال - يصحبون أولادهم للمتاحف ورواية قصص التاريخ.. قولوا لى كم أمًا تصحب أولادها للمتحف القريب.. وكم أبا يشرح لأولاده ما يجرى فى القدس أو فى «سد المناهدة» على قول الكاتبة سناء البيسى؟!.. لا أحد!. أطالب بقناة تليفزيونية تخصص مساحة من إرسالها لبث ثقافة الشأن العام لتقوية مناعة جهاز الوعى الجمعى.. ويا ويل أمة يتعطل جهاز وعيها!.
 
■ ■ ■
 
صدقونى، إذا كنا جادين حقًا فى تقوية جهاز وعى المصريين:
 
١- العودة إلى نبع الثقافة: الكتاب الذى علّم أجيالًا قبل ظهور الترند الضحل!.
 
٢- التقليل نسبيًا من الاهتمامات الكروية وبرامج تحليل المباريات بهذا الحماس!.
 
٣- الإكثار من البرامج الثقافية فى الإذاعة، لأن نسبة المستمعين أكبر، فقد ثبت لى أن الناس صاروا يشاهدون الدراما عن طريق «شاهد» وغيرها.
 
٤- كما أردد: النجوم لا يملكون التأثير فى القضايا العامة على الناس، فقط الإعلانات!.
 
٥- فتح نوافذ فى الصحافة - من منصة وطنية - تبيح حرية النقاش والاختلاف، إذ بدون الاتفاق والاختلاف، فإن نهر الفكر راكد!.
 
٦- إذا وصلنا لمعدلات مرتفعة فى القضاء على الأمية مثلما كافحنا فيروس C، نكون قد كسبنا نسبة كبيرة فى إبادة أميتهم، مع الاعتراف بأن هناك نسبة ما من الأميات بين النساء!.
 
٧- ماذا يحدث لو أعطينا المستمع بأغنية فى الإذاعة «معلومة ما، أو رقما مهما ما».
 
٨- فى جيلى، كانت برامج التثقيف هى «٢٠ سؤال» تقديم ليلى رستم، و«أوائل الطلبة» الذى يقدمه فى الإذاعة عباس أحمد، ومن المهم الإشادة ببرنامج «العباقرة» الذى يقدمه الروائى عصام يوسف على شاشة «القاهرة والناس».
 
٩- إنى أتمنى تفعيل دور المجلس الأعلى للثقافة، بحيث لا يقتصر دوره التقليدى على منح الجوائز والألقاب.. يجب مساهمته الفعالة فى إرساء قلاع للثقافة تزيد من قدرة البصيرة الجماعية على الرؤية بحيث نستفيد حقًا حين نجرى حوارات مجتمعية، وبحيث تصل الدولة إلى كل أطرافها البعيدة.
 
١٠- إنها معركة الوعى الذى إذا غاب سقطنا فى بئر الجهالة وفراغ بغير نهاية «على حد قول هيكل».. ويا ويل أمة تعطل جهاز وعيها!.
 

 

أوليكس

 

التعليقات

 

 
 



إذاعة القرآن الطريم

مقالات رئيس التحرير
رمضان كريم 1

مع الرحمة

هل تؤيد مطالب زيادة حوافز وتسهيلات المشروعات الصغيرة والمتوسطة؟

  نعم

  لا

  غير مهتم


نتائج

أضف  البريد الالكتروني :
 
 

 

أضف  كلمة البحث :